من الفلاسفة الذين يجولون في علم الاجتماع، ويجتهدون أن يردوا كل شيء إلى أصل خاص، وأن ينسبوا كل مأثرة إلى ما لا تنتج عنه إلا المآثر، وأن يجعلوا لكل شيء كيفما كان سببا خاصا، لا أدري كيف يقفون بنظراتهم تلك إزاء هذه الشخصية التي نشأت في اليتم والفقر، وفي الأمية، وفي مسارح الغنم، ثم لم يدر عليها الفلك إلا قليلا حتى صار صاحبها من أبطال الجندية المقاديم، الذين لا يعرفون أن الموت يرصد للأحياء، ثم كان قائدا محنكا سياسيا كأنما يقرأ المستقبل من خلال سجف رقيق، ثم خاض طوال حياته كلها من المعارك الطاحنة ما تشيب لهوله الولدان، ويكره معه غابر الحياة، ثم رأيناه لا يزال يعشق الحرب في كهولته كما كان يعشقها في شبيبته، فيطير إليها كلما سمع هيعة، إلى أن جلله الشيب بين الصفوف، وتحت بوارق السيوف، ثم لم يهدأ حتى لم يجد بعد معتركا بعد سبعين سنة من عمره، ثم هو بعد ما استوفى الثانية والتسعين يجلس إليك جلوس الشاب اللقن، الذي يستحضر كل ما مر به، فلا ينسى موقفا، ولا شخصا، ولا حديثا، كأنما في صدره مسجل (مانيطوفون) عتيد، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ثم إنه ليس إلا من أبناء حام، ولكنه في أخلاقه من خير أبناء سام، فكأنما على لسانه تكلم سحيم عبد بني الحسحاس إذ قال:
إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما *** أو أسود اللون إني أبيض الخلق.
فالآن سر معي أيها القارئ ؛ لتقرأ صفحة رائعة مملوءة بالبطولة النادرة، طافحة بالإنسانية، وبنوادر الحوادث، متموجة بكل ما تتموج به حياة المغامرين الذين لا يبالون ؛ أسقطوا على الموت أم سقط الموت عليهم، ثم تتذكر أخيرا قولة خالد بن الوليد رضي الله عنه إذ قال: ما في موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، ثم هأنذا أموت على فراشي كالعنزة، فلا نامت أعين الجبناء، لا نامت أعين الجبناء.
نسبه وأسرته: