إن الذي يمكن أن يكون هو أن الشيخ ينزل بين ظهراني هؤلاء القوم. ثم تطير له الشهرة. فيحسدونه كما هو المعتاد دائما. فيقوم فيهم الشيخ بالمواعظ. فيشمخون أنفه من الانقياد إلى الحق. فتأتي هذه القبيلة المجاطية. فتتسلط عليهم كما تفعله كل قبيلة قوية بقبيلة ضعيفة. فتجلوهم كلهم أو بعضهم. وقد وقفنا على ما يؤيد هذا في بعض مقيدات لا ندري مقدارها من الصحة. ومحصل ما فيه أن الشيخ ابن موسى تطلب من الحربيليين أن يذعنوا لأحكام الشريعة كلها. وأن يدعوا أعرافا كانوا يتحاكمون إليها فتأففوا من ذلك واستنكفوا. فصادفوا من الشيخ دعوة عليهم مستجابة. فكان أن حاربوا (مجاطا) فانتصرت عليهم (مجاط) فأجلوهم عن تلك الجهات. وهذه الحكاية وإن لم تكن عندنا ثابتة كل الثبوت. فهي بحال الشيخ وبمقامه أوفق. وهو الذي نعلم منه الاستماتة في الذب عن السنة كل حياته. وأما ما اشتهر من أن الشيخ هو الذي أتى بقبيلة (مجاط) فأسكنها في (تيزلمي) فلا نرى لذلك من صحة. وإنما نعلم أن هذه القبيلة كانت مذكورة كبيرة العدد في سنة 987 هـ. أي بعد وفاة الشيخ بستة عشر عاما - كما قرأنا ذلك في ديوان مولاي أحمد الذهبي المتداول - والغالب أنهم كانوا يقطنون تلك الجهة من قبل القرن العاشر ولعلها من إحدى القبائل التي لفظتها القفار إلى (سوس) بعدما اجتاح الوباء الشهير ساكني (سوس) في أواسط القرن الثامن سنة 747 هـ. ولعلل الموجودين مما يسمون (مجاطة) إلى الآن بين (شنكيط) و (ساليكان) هم الأصل الأصيل لهؤلاء (1) والله أعلم. وأما محاربتهم مع الحربيليين وإجلاؤهم إياهم عن (تيزلمي) وغيرهما. فهي حقيقة واقعة بلا ريب. ولكن لا يدرى في أي وقت ابتدأت الحروب بينهما. ولا ما هو السبب؟ وإن كان يتراءى لنا أن ذلك ابتدئ من التاسع. وعند الله الأمور على حقيقتها.
مكانة الشيخ العظيمة في عصره
(1) إن الذين يحملون اسم (مجاط) كثيرون. فهم في الحوز وفي الدلائيين وغيرهما.