الصفحة 34 من 52

…بل على الوجادة المذكورة اعتماد القضاة والمفتين والمستنبطين ، إذ يتعذر إسناد كل كتاب إلى مؤلفه وضبطه عنه بالسماع والقراءة في كل الطبقات ، على أن كتب الحديث وجد فيها من الضبط والتلقي والشرح لها وتعداد نسخها المصححة تفاخرًا بقراءتها وتشرفًا بسماعها وتلقيها والإجازة لها ما لم يوجد عُشر عشره في مؤلفات الأئمة الأربعة ولا غيرهم ، ولو أريد نسخ كتاب من مؤلفات الأئمة أو طبعه يحول دون الظفر بنسخ كاملة منه ما يحول (1) ، ولا يرى غالبًا بعد التنقيب إلا أجزاء متفرقة أو نسخة مخرومة ، مع أن حق مقلدة أئمتها أن ينسخوا منها في كل قرن الألوف وأن يخدموها بالقراءة والإقراء والنشر والشروح . ولقد حرصت مرة على أن أظفر بنسخة مخطوطة من رسالة الإمام الشافعي أو بشرح لها لأقابل بها المطبوعة وأنسخ الشرح فلم أجد لها من أثر في مكتبة من مكاتب القطر الشامي ، أين هذا من نسخ كتب الصحيحين والسنن المخطوطة التي امتلأت منها مكاتب الدنيا ، ولا يعيي الظفر بجيداتها على طالب ما . أفليس الوثوق إذن بكتب السنة وما فيها من المرفوع والموقوف (وهو أقوال الصحب وفتاويهم) أقوى في النفس من غيرها ؟ اللهم فبلى .

…ومما يؤيد ما قدمناه في الوجادة ما في تدريب الراوي للسيوطي شرح تقريب النواوي في أواخر بحث الصحيح ، وعبارته (2) : عن الإمام ابن برهان في الأوسط: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه ، بل إذا صح عنده النسخة جاز له العمل بها وإن لم يسمع .

…وحكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة ، وأنه لا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها . وقال إلْكِيا الطبري في تعليقه: من وجد حديثًا في كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به .

…وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في جواب سؤال: وأما الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد عليها ، والاستناد إليها ، لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية ، ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو واللغة والطب وسائر العلوم لحصول الثقة بها وبُعْد التدليس . أهـ .

(1) 1 وهذا ما وقع عند طبع كتاب ( الأم ) للشافعي ، فقد احتاجوا إلى جمع أجزائها من مختلف البلدان . وقس على كتاب الأم أمثاله من مؤلفات الأئمة .

(2) 2 ص 49 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت