…هذا كله على فرض أنه لم يرو في الباب - أي باب المسح على الجوربين - إلا قولهم فقط ، وإلا فقد قدمنا ما روي فيه من الأحاديث التي هي الحجة في هذا الباب والمردُّ عند التنازع ( وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ) . وإنما هذه الجملة ينبغي أن ينتبه لها الذين لا يأبون إلا التقليد ليعلموا أن من آثر التقليد فالأحرى به تقليد الصحابة لأنهم الأعلم ، وأجمع الأصوليون على أنه يقدم - في باب التقليد - الأعلم . قال ابن القيم في أعلام الموقعين: فلا يدرى ما عذر المقلد في ترجيح أقوال غير الصحابة على أقوالهم ، فكيف إذا منع الأخذ بقول الصحابة ، فكيف إذا صار يرمى بالابتداع من عمل بها ؟! لا جرم أنه أخذ بالمثل المشهور: رمتني بدائها وانسلت . أهـ .
…وأما شبهة عدم الوثوق بما يؤثر مذهبًا للصحابة إذ لم يدون مذهبهم ، فأوهى من بيت العنكبوت لأن كلامنا فيما نقل عنهم في الكتب الموثوق بها المتداولة في الأيدي من كتب السنة والفقه لا سيما الصحيحان وكتب السنن ، فقد حفظت من الزيادة والنقص بقوة العناية بها شرحًا وضبطًا ووفرة النسخ المخطوطة المعلم عليها بسماعات الحفاظ في معظم المكتبات مما لا يوجد نظيره في كتب أئمة الفقه المشهورة مذاهبهم . ولا ريب أن ذلك من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قيض الله لسنته من حفظها كما فعل ذلك بتنزيله الكريم ، وله الحمد والمنة .
…على أن المعول عليه منذ انتشر التأليف والتصنيف هو النقل عن الموجود الذي تثق به النفس - سواء كان مقابلًا كله على أصله أو لا- ما دام يغلب على الظن صحته ويطمئن له القلب ، وهو المسمى بالوجادة . ولذا اعترض الإمام المقبلي في ( العلم الشامخ ) على تصريحهم بعدم اعتماد الوجادة بأن هذا يناقضه ، إذ هو - أي قولهم المذكور - وجادة ليس إلا . قال: وأما الوثوق فهو شرط في كل طريق . أهـ .