…وقد سئل العز بن عبد السلام (1) عمن صح عنده مذهب أبي بكر أو غيره من علماء الصحابة في شيء فهل يعدل إلى غيره أم لا ؟ فأجاب بأنه إذا صح عن أحد الصحابة مذهب في حكم من الأحكام فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل أوضح من دليله . قال: ولا يجب على المجتهدين تقليد الصحابة في مسائل الخلاف بل لا يحل ذلك في وضوح أدلتهم على أدلة الصحابة . أهـ .
…وقال ابن تيمية في بعض فتاويه: وأما أقوال الصحابة فإن اتنشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء ، وإن تنازعوا رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء . وإن قال بعضهم قولًا ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع ، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه . أهـ .
…والنصوص في العناية بأقوال الصحابة أوفر من أن تحصر ، نقول هذا تمهيدا للأقوال المأثورة في المسح على الجوربين في كتاب السنن لأبي داود وغيره فإنها حجة في هذا الباب على كل من خالف كيفما كان حالها ، لأنها - على ما فصله ابن تيمية وقرره الأصوليون - إما منتشرة غير منكورة ، وما كان كذلك فهو حجة باتفاق ، وإما أنها قال بها بعضهم ولم ينتشر ما يخالفه والجمهور يحتجون بذلك . وقد علم أنه ليس ثم مخالف فينتشر قوله إذ لم يرد عنهم فيه إلا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو عملهم به علة ما عرفت من روايات متعددة . ومن الجلي في باب الأحكام أن حكمًا بلغ عدد رواته والقائلين به والعاملين به ستة عشر لو كانوا من طبقة غير الصحابة لما توقف في قبوله ، فكيف وكلهم من طبقة الصحابة عليهم رحمة الله ورضوانه .
(1) 1 شرح خليل للحطاب جزء (1) ص 31 .