قال الإمام النووي في شرح المهذّب: وحكى أصحابنا ( الشافعية ) عن عمر وعلي رضي الله عنهما جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقًا . وحكوه عن أبي يوسف ، ومحمد ، وإسحاق ، وداود ، ثم قال النووي: واحتج من أباحه - وإن كان رقيقًا - بحديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه . وعن أبي موسى مثله مرفوعًا . انتهى كلامه ، وفيه من الزيادة عن ما قبله التصريح بالجواز عنهم ولو كان رقيقًا ، وإن كان يفهم ذلك من إطلاق المأثور قبل ، لأن الأصل في المطلق حمله على مطلقه حتى يرد ما يقيده ، كما أن العام له حكمه حتى يخصصه دليل . وسيأتي إيضاح ذلك مما قاله الإمام ابن حزم عليه الرحمة والرضوان .
بيان أن أقوال الصحابة وفتاويهم أولى بالأخذ من غيرها والرد على من زعم رفع ثقته بالمأثور عنهم
هذا بحث عظيم يجب على كل من شدا طرفًا من العلم أن يلقي السمع إليه ، ذلك لأن كثيرًا من الناس إذا ذكر له مذهب صحابي في مسألة ما تراه لا يرفع له رأسًا ، اتكاء على أنه ليس ممن لقن العمل به ، وربما تطاول فقال: إنه ليس له ممن دوّن مذهبه . ولما كان هذا مما لا يستهان به في الدين ، إذ مثل هذا القول منكر عند الراسخين ، وجب إزاحة اللبس فيه إرشادًا للمتقين ، وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم في المقام الأسنى والمحل الأعلى في كل علم وعمل ، وفضل ونبل .
…قال الإمام ابن القيم رحمه الله في ( إعلام الموقعين ) : كما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها فهم سادات المفتين والعلماء ، قال مجاهد: العلماء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . ونقل رحمه الله عن الشافعي أنه قال في الصحابة: هم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم ، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا ..الخ .
…إذا علمت هذا تبين لك أن ما جاء في ( جمع الجوامع ) للسبكي من أن في تقليد الصحابي قولين ، أحدهما المنع لارتفاع الثقة بمذهبه إذ لم يدون ، وعزو شارحه ذلك لإمام الحرمين الجويني والمحققين ( يعني مقلدة الجويني وأتباعه ) كلام مجمل لا يغتر بظاهره ، ويؤخذ من كلام غير واحد من الأئمة رده . بل السبكي نفسه رد ذلك وقال - كما نقله عنه الزركشي وتراه في حواشيه: إن تحقق ثبوت مذهبه ( أي الصحابي ) جاز تقليده اتفاقًا .