«اما عبد الملك فكان جبارا لا يبالي ما صنع، واما سليمان فكانت همته بطنه وفرجه، واما عمر بن عبد العزيز فكان اعور بين عميان، وكان فتى القوم هشام، ولم تزل بنو امية ضابطين لما مهد لهم من السلطان، يحوطونه ويحفظونه، ويصونون ما وهب اللّه لهم، مع تساميهم معالي الامور ورفضهم ادانيها، حتى افضى امرهم الى ابنائهم المترفين، فكانت همتهم قصد الشهوات وركوب اللذات من معاصي اللّه عز وجل- جهلا منهم باستدراجه، وأمنا منهم لمكره، مع اطراحهم صيانة الخلافة، واستخفافهم بحق اللّه تعالى، وحق الرئاسة، وضعفهم عن السياسة. فسلبهم اللّه العز، والبسهم الذل، ونفى عنهم النعمة» «1» .
غير ان المنصور كان يصانع كل من لا يجد فيه خطرا على دولته، كما كان يعفو عن كل مسي ء اذا توسم فيه الفائدة لملكه، نظير صنيعه بمعن بن زائدة الذي كان يطلبه، فلما احاط به الراوندية وهموا بقتله، بادر معن الى نجدة المنصور، وابلى بلاء حسنا في الدفاع عنه. وكان المنصور لا يعرفه، فقال له: من انت؟ اجاب معن: طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة. فقال: قد أمّنك اللّه على نفسك واهلك ومالك، ومثلك يصطنع. ثم انه احسن إليه وولاه اليمن «2» .
وخلف المهدي اباه المنصور سنة 158 ه. وكان يشبهه في الفطنة، وكان حازما في الدفاع عن الدين، ولهذا حارب الملحدين والزنادقة حربا لا هوادة فيها، وكان يجلس في كل يوم لرد المظالم، يحيط به القضاة. وفي ايامه خرج المقنع الخراساني فارسل إليه المهدي جيشا حصره في قلعة بخراسان مدة طويلة حتى قضى عليه. وقد اشار الجاحظ الى خروج المقنع في خراسان، وادعائه الربوبية، وقوله
(1) المسعودي، مروج الذهب، ج 4، ص 130 - 131.
(2) البيان والتبيين، ج 4، ص 70.