والصدع فيما لا يلائم مزاجه وفكره، مع أن ذلك الخلق سببه شدة الذكاء ولطف المزاج والثبات على الأحسن والأكمل وعدم النفاق، لذا كان يرغب أن يكون معاشره وتلميذه على شاكلته، فكان يحتد ويشتد على من يتهاون فيما لا يحبه أو يتساهل فيما لا يوافقه، وربما أعرض عنه وهجره، ولكنه كان سليم القلب فلا يلبث بعد هجره صاحبه أن يقبل عليه ويصافحه ويدعوه لمحله ويضيّفه ويكرمه، وقد كان كثير الضيافات لأصدقائه وتلامذته، يعمل لهم أحسن المطاعم حسب جهده ومشربه، وكان لا يأكل إلا أجود المطاعم ولا يبتاع إلا أثمنها، وله براعة في فنّ الطبخ وتفنن في إجادة ذلك، أربى به على أربابه، وقد عيّن له مرتب شهري من صندوق البلدية، وكذا مرتب شهري على تدريس في الجامع الأموي بعد الظهر من جهة أحد أغنياء الأتراك، ثم انقطع عنه المرتب الثاني فرأى قلّة الأول جدا، ورأى أن الوظائف العلمية متسلسلة بناموس الوراثة عن الأب والجد لا بناموس الأهلية والاستحقاق، ورأى أن الديون ركبته فأخذ يتعلم فنّ المحاماة ووكالة الدعاوي بمصاحبة نجباء أهلها، فبرع في ذلك في أقرب وقت، وصار يحامي في المحكمة الشرعية والمحاكم النظامية واشتهر بذلك لذكائه وقوة عارضته، وعرف بين المحامين ورزق حظا من ذلك واتسعت دنياه عن ذي قبل، وتزوج، ورزق أولادا، وزاد سخاء وجودا واختص بشؤون المحاماة، وقصد للمراجعة في معضلاتها واستفادة المخارج من الدعاوي العسيرة. وكان يحدثني بغرائب من تقصيه في مضايق يحار لها اللبيب الألمعي، وكانت عنده على طرف الثّمام وكان أوحد خلاني