حديدا توجل النفوس منه وتشفق لاستيقان محاوره الغلب معه، وأنه ليس من رجال ميدانه، وأجلّته شيوخه، وأضحى بهجة الدروس وزينة المجالس ومجلي غوامض المشكلات، وعرف بذلك وشهر به شهرة أربت على أقرانه كلهم. وقد كان لمعاشريه راحة أنفسهم وقرة أعينهم، إذ له من المحاضرة والنكت والأجوبة اللطيفة والشواهد العذبة ما يسلّي الحزين ويكشف الغمة. وقد فطر على سخاء ندر أن يوجد في كبار المثرين على قلة ذات يده، وبلغ من ذكائه أن كان يدرك خفايا الأمور ودقائقها حتى من الصناعات والحرف والتجارة والمبيعات، فكان لا يخفى عليه مكامن غش المصنوعات والمنسوجات والمبيعات على أنواعها، وقد يظن من يساومه أنه ممن احترف بحرفته وعمل بصنعته لقوة إدراكه وشدة فطنته، وكنت أشاهد منه عجائب وغرائب، وأما سرعة فهمه لدقائق المسائل وغوامض العبارات لا سيما في المؤلفات التي اشتهرت بالصعوبة والغموض وإنها كالألغاز والأحاجي وإدراكه لها بأدنى التفات فأمر لم أره لغيره، وقد أدرك ما أدرك من العلوم بمدة قليلة لأنه كان لا يعوزه لنيله إلا تصفحه والمرور عليه، وربما كان شهره أيام طلبه بستين من غيره، وكان في خلال ترداده على الشيوخ يقرئ الطلبة ويصبر على طول حصة الدرس، وربما قضى معظم الليل معهم. وقد أقرأ في مدرسة التعديل بالقنوات وهو في عنفوان الشباب، ولازمه كثير من طلبة العلم، وأقرأ أيضا في مدرسة العدّاس في القنوات. وكان له حجرة فيها يقطنها، ومن الأسف أن كل من تردد للقراءة عليه لم يصبر على صحبته لينتفع منه إذ يرون منه سرعة التأثر مما لا يوافق مشربه