وبعد انتشار التدوين، وتمكن التاريخ في النفوس، فان الرواية المسندة، لم تعد مصدرًا كافيا لعلم التاريخ، فأبدلت أسانيد الأخبار بأسانيد الكتب، وهو ما عرف بالتاريخ السندى، أو أسانيد الكتب، وفي ذلك تطور علمي واضح في اتجاه الموضوعية التاريخية، لا سيما وأن المؤرخين المسلمين في أي وقت لم يكونوا يستطيعون أن يكتبوا التاريخ دون أن يذكروا المصادر التي استقوا منها أخبارهم، فكان حرص المؤرخين المسلمين، على ذكر الكتب التي استقوا منها أخبارهم في معظم تأليفهم، إضافة جديدة لإبداعهم في هذا العلم.
وتدل هذه البدايات على أنَّ نشأة علم التاريخ ــ وتطوره بعد ذلك ــ كان بمعزل عن أى تأثيرات من خارج النطاق الحضاري للجماعة العربية الإسلامية، فأوائل المؤرِّخين العرب / المسلمين لم يتأثروا بأعمالهم التاريخية بالمدوَّنات الفارسية أو اليونانية ــ أو غيرها ــ وإنما جاءت جهودهم نابعةٌ من مقتضيات خاصة بالجماعة العربية الإسلامية.
ووضع عمر بن الخطاب تقويمًا ثابتًا هو التاريخ الهجري، فأصبح عنصرًا حيويًا في نشأة الفكرة التاريخية. ومنذ ذلك الوقت أصبح توقيت الحوادث (أو تأريخها) العمود الفقري للدارسات التاريخية. وقام عمر بن الخطاب بتأسيس الديوان، أو سجلّ المحاربين وأهليهم حسب قبائلهم، وهذا أعطي الأنساب أهمية جديدة، وكان حافزًا إضافيًا للاهتمام بدراسة الأنساب [1] .
(1) عبد العزيز الدوري: نشأة علم التاريخ عند العرب. مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005، ص 18.