فكانت طريقة الأسانيد للتحقق من صحة الخبر، أول ما ظهرت على أيدي المسلمين، إذ كانت مستلهمة من الطريقة نفسها، التي كانت قد اتبعت عن جمع الأحاديث النبوية، ليطمئن جامعو الأحاديث إلى اتصال الأحاديث بالرسول (صلى الله عليه وسلم) مما يبين أن التاريخ قد أخذ طريقة الحديث في أول تدوينه، بل أن التاريخ، كان يجمع من نفس رواة الحديث، في سلسلة من الإسناد [1] الموثوق بهم، بحيث أصبح المؤرخ نفسه يعرف باسم:"رواية"، أو"صاحب الأخبار"، ولكي تكون هذه الرواية التاريخية سليمة، فإنها لا بد أن تكون من مسلم، لان الرواية مثل البينة، لا تؤخذ إلا من مسلم، ومن ناحية أخرى، اعتبر التاريخ نفسه من وسائل الحديث، في الجرح والتعديل، بحيث يقول المؤرخ السخاوى أن التاريخ استعمل لما استعمل الرواة الكذب، فكان هذا دلالة على جدية المسلمين، في دراسة علم التاريخ.
وأكثر من ذلك، فان المؤرخ الإسلامي، لم يلبث أن تحول من مجرد إخباري، غرضه استيعاب الأخبار، والمحافظة على كيفية اتصالها من حيث رواتها أو مصادرها، إلى البحث عن الخبر في ذاته، زيادة في تحرى الحقيقة، وأصبح هذا تطورًا جديدًا في كتابة التاريخ، إذ تخلص التاريخ من طريقة الحديث إلى مجال أوسع مستقل، فالمؤرخ لم يعد همزة الوصل بين الخبر وقارئه، إنما أصبح يعالج الخبر في ذاته.
(1) الإسناد لغةً هو المعتمد، وسمي كذلك لأن المتن يشتد إليه ويعتمد عليه (محمود الطحان:(أصول التخريج ودراسة الأسانيد) ص157. أما في الاصطلاح فهو سلسلة الرواة الذين نقلوا الخبر واحدًا بعد واحد إلى أن يصلوا بالرواية إلى مصدرها الأصلي (فاروق حمادة:(المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل) ص 231.