فهرس الكتاب

الصفحة 6676 من 7699

ورأيت أنا من رأس جبل عال يشرف على القلعة، لكنّه لا يصل منه شيء إليها، امرأة ترمي من القلعة عن المنجنيق، وهي التي بطّلت منجنيق المسلمين، فلمّا رأى صلاح الدين أنّ المنجنيق لا ينتفعون به، عزم على الزحف، ومكاثرة أهلها بجموعه، فقسم عسكره ثلاثة أقسام: يزحف قسم، فإذا تعبوا «1» وكلّوا عادوا وزحف القسم الثاني، فإذا تعبوا وضجروا عادوا وزحف القسم الثالث، ثمّ يدور الدور مرّة بعد أخرى حتّى يتعب الفرنج وينصبوا، فإنّهم لم يكن عندهم من الكثرة ما يتقسّمون كذلك، فإذا تعبوا وأعيوا سلّموا القلعة.

فلمّا كان الغد، وهو السابع والعشرون من جمادى الآخرة، تقدّم أحد الأقسام، وكان المقدّم عليهم عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي، صاحب سنجار، وزحفوا، وخرج الفرنج من حصنهم، فقاتلهم على فصيلهم، ورماهم المسلمون بالسهام من وراء الجفتيات والجنويّات والطارقيات، ومشوا إليهم حتّى قربوا إلى الجبل، فلمّا قاربوا الفرنج عجزوا عن الدنوّ منهم لخشونة المرتقى، وتسلّط الفرنج عليهم، لعلوّ مكانهم، بالنشاب والحجارة، فإنّهم كانوا يلقون الحجارة الكبار فتتدحرج إلى أسفل الجبل، فلا يقوم لها شيء.

فلمّا تعب هذا القسم انحدروا، وصعد القسم الثاني، وكانوا جلوسا ينتظرونهم، وهم حلقة صلاح الدين الخاصّ، فقاتلوا قتالًا شديدا، وكان الزمان حرّا شديدا، فاشتدّ الكرب على الناس، وصلاح الدين في سلاحه يطوف عليهم ويحرّضهم، وكان تقي الدين ابن أخيه كذلك، فقاتلوهم إلى قريب الظهر ثمّ تعبوا، ورجعوا.

فلمّا رآهم صلاح الدين قد عادوا تقدّم إليهم وبيده جماق ويردّهم، وصاح في القسم الثالث، وهم جلوس ينتظرون نوبتهم، فوثبوا ملبّين، وساعدوا إخوانهم، وزحفوا معهم، فجاء الفرنج ما لا قبل لهم به، وكان أصحاب

(1) . فإذا نصبوا وضجروا. A

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت