بصلاح الدين، وأدّى الرسالة، امتعض صلاح الدين لذلك واغتاظ، وقال للرسول: قل لصاحبك واللَّه الّذي لا إله إلّا هو لئن لم يرجع لأسيرنّ إلى ملطية وبيني وبينها يومان، ولا أنزل عن فرسي إلّا في البلد، ثمّ أقصد جميع بلاده وآخذها منه.
فرأى الرسول أمرا شديدا، فقام من عنده، وكان قد رأى العسكر وما هو عليه من القوّة والتجمّل، وكثرة السلاح والدوابّ وغير ذلك، وليس عنده ما يقاربه، فعلم أنّه إن قصدهم أخذ بلادهم، فأرسل إليه من الغد يطلب أن يجتمع به، فأحضره فقال له: أريد أن أقول شيئا من عندي ليس رسالة عن صاحبي، وأحبّ أن تنصفني. فقال له: قل! قال: يا مولانا ما هو قبيح بمثلك، وأنت من أعظم السلاطين وأكبرهم شأنا، أن تسمع النّاس عنك أنّك صالحت الفرنج، وتركت الغزو ومصالح المملكة، وأعرضت عن كلّ ما فيه صلاح لك ولرعيّتك وللمسلمين عامّة، وجمعت العساكر من أطراف البلاد البعيدة والقريبة، وسرت وخسرت أنت وعساكرك الأموال العظيمة لأجل قحبة مغنيّة؟ ما يكون عذرك عند اللَّه تعالى، ثمّ عند الخليفة وملوك الإسلام والعالم كافّة؟ وأحسب أنّ أحدا ما يواجهك بهذا، أما يعلمون «1» أن الأمر هكذا؟ ثمّ أحسب أنّ قلج أرسلان مات، وهذه ابنته قد أرسلتني إليك تستجير بك، وتسألك أن تنصفها من زوجها، فإن فعلت، فهو الظنّ بك أن لا تردّها.
فقال: واللَّه الحقّ بيدك، وإنّ الأمر لكما تقول، ولكن هذا الرجل دخل عليّ وتمسّك بي ويقبح بي تركه، لكنّك أنت اجتمع به، وأصلح الحال بينكم على ما تحبّون، وأنا أعينكم عليه وأقبّح فعله عنده، ووعد من نفسه بكلّ جميل، فاجتمع الرسول بصاحب الحصن، وتردّد القول بينهم، فاستقرّ
(1) . وما يعلم. B . تعلمون. A