حتّى نصل إليك، وتنفق فيهم المال، وإن كان المال قليلا فالرأي أنّك تعود إلى بغداذ لئلّا يجري من العسكر شغب.
فلمّا بلغ الخبر إلى ابن رائق عاد من واسط إلى بغداذ، ووصل بجكم إلى واسط فأقام بها، واعتقل من معه من الأهوازيّين، وطالبهم بخمسين ألف دينار، وكان فيهم أبو زكريا يحيى بن سعيد السّوسيّ.
قال أبو زكريا: أردت أن أعلم ما في نفس بجكم، فأنفذت إليه أقول:
عندي نصيحة، فأحضرني عنده، فقلت: أيّها الأمير أنت تحدّث نفسك بمملكة «1» الدنيا، وخدمة الخلافة، وتدبير الممالك، كيف يجوز أن تعتقل قوما منكوبين قد سلبوا نعمتهم وتطالبهم بمال وهم في بلد غربة، وتأمر بتعذيبهم حين جعل أمس طشت فيه نار على بطن بعضهم؟ أما تعلم أنّ هذا إذا سمع عنك استوحش منك الناس وعاداك من لا يعرفك؟ وقد أنكرت على ابن رائق إيحاشه لأهل البصرة، أتراه أساء إلى جميعهم؟ لا واللَّه، بل أساء إلى بعضهم، فأبغضوه كلّهم، وعوام بغداذ لا تحتمل [1] أمثال هذا. وذكرت له فعل مرداويج، فلمّا سمع ذلك قال: قد صدقتني، ونصحتني، ثم أمر بإطلاقهم.
ولمّا استولى ابن بويه والبريديّ على عسكر مكرم سار أهل الأهواز إلى البريديّ يهنّونه، وفيهم طبيب حاذق، وكان البريديّ يحمّ بحمّى الرّبع، فقال لذلك الطبيب: أما ترى يا أبا زكريّا حالي وهذه الحمّى؟ فقال له:
خلط، يعني في المأكول، فقال له: أكثر من هذا التخليط، قد رهجت الدنيا.
ثمّ ساروا إلى الأهواز فأقاموا بها خمسة وثلاثين يوما، ثم هرب البريديّ من ابن بويه إلى الباسيان «2» ، فكاتبه بعتب كثير، ويذكر غدره في هربه.
[1] يحتمل.
(1) بملكة. P .C