عطش قبل خروجه عطشا شديدا، فطلب له في خزانة الشراب ماء، فلم يوجد، فلمّا أمسى، ليلة الأحد، لخمس بقين من محرّم سنة ثمان وتسعين ومائة، خرج بعد العشاء الآخرة إلى صحن الدار، وعليه ثياب بيض، وطيلسان أسود، فأرسل إليه هرثمة: وافيت للميعاد «1» لأحملك، ولكني أرى أن لا تخرج اللّيلة، فإنّي قد رأيت على الشطّ أمرا قد رابني، وأخاف أن أغلب، وتؤخذ من يديّ، وتذهب نفسك ونفسي، فأقم اللّيلة، حتى أستعدّ وآتيك اللّيلة القابلة، فإن حوربت حاربت دونك.
فقال الأمين للرسول: ارجع إليه، وقل له لا يبرح، فإنّي خارج إليه الساعة لا محالة، ولست أقيم إلى غد.
وقلق، وقال: قد تفرّق عني النّاس من الموالي والحرس وغيرهم، ولا آمن إن انتهى الخبر إلى طاهر أن يدخل عليّ فيأخذني، ثمّ دعا بابنيه، فضمّهما إليه، وقبّلهما، وبكى، وقال: أستودعكما اللَّه، عزّ وجلّ، ودمعت عيناه، فمسح دموعه بكمّه، ثمّ جاء راكبا إلى الشطّ، فإذا حرّاقة هرثمة، فصعد إليها.
فذكر أحمد بن سلّام، صاحب المظالم، قال: كنت مع هرثمة في الحرّاقة، فلمّا دخلها الأمين قمنا له، وجثا هرثمة على ركبتيه، واعتذر إليه من نقرس به، ثمّ احتضنه، وضمّه إليه، وجعله في حجره، وجعل يقبّل يديه ورجليه وعينيه، وأمر هرثمة بالحرّاقة أن تدفع، إذ شدّ علينا أصحاب طاهر في الزواريق، وعطعطوا، ونقبوا الحرّاقة، ورموهم بالآجرّ والنشّاب، فدخل الماء إلى الحرّاقة، فغرقت، وسقط هرثمة إلى الماء، وسقطنا، فتعلّق الملّاح بشعر هرثمة فأخرجه، وأمّا الأمين فإنّه لما سقط إلى الماء شقّ ثيابه وخرج إلى الشطّ، فأخذني رجل من أصحاب