من جشم بن هوازن بن منصور لقيهم منصرفين كل واحد منهم من وجهه، فراه وقد انفرد لحاجته، فقال: لا أطلب بمعاوية بعد اليوم فأرسل عليه سهما ففلق قحقحه [1] ، فقالت الخنساء:
فدى للفارس الجشميّ نفسي ... وأفديه بمن لي من حميم
فداك الح حيّ بني سليم ... بظاعنهم وبالأنس [2] المقيم
كما من هاشم أقررت عيني ... وكانت لا تنام ولا تنيم [3]
فأما صخر فسنذكر مقتله مع انقضاء ما نذكر من مراثي الخنساء إياه، قالت الخساء:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... لقد أضحكتني دهرا طويلا
بكيتك في نساء معولات ... وكنت أحقّ من أبدي العويلا [4]
دفعت بك الجليل وأنت حيّ ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
وقالت أيضا:
تعرّفني [5] الدهر نهسا [6] وحزّا ... وأوجعني الدهر قرعا [7] وغمزا [8]
وأفنى رجالي فبادوا معا ... فأصبح قلبي بهم مستفزّا [9]
كأنّ لم يكونوا حمى يتّقى ... إذا الناس إذ ذاك من عزّ بزّا [10]
(1) القحقح: العظم المحيط بدبره.
(2) الانس: الجماعة الكثيرة.
(3) تنيم: ترى نائمة.
(4) العويل: رفع الصوت بالبكاء.
(5) تعرفني: اضعفني وسل جسمي متسعار من قولك تعرفت العظم إذا أخذت ما عليه بأسنانك.
(6) النهسى: أخذ اللحم بأطراف الاسنان.
(7) القرع: الضرب بسوط ونحوه.
(8) الغمز: النخس بأطراف الأصابع وهذا تمثيل كما أصابها من محن الدهر ومصائبه.
(9) مستفزا: منزعجا، مفزعا.
(10) من عزّبزّا. أي أن الناس عند اشتداد الأمر وتفاقم الخطب تقول من عزبز.