وجاوزت شكاة المستعتب حتى كأني لا موصول ولا محروم فاجعلوا لي فرجة أعش بها وهبوني أمرا رجوتم نصره أو خفتم لسانه، فرجعوا له ووصلوه وكلموا فيه المهلب فوصله. وولّى الحجاج كردما فارس، فوجهه الحجاج إليها والحرب قائمة، فقال رجل من أصحاب المهلب:
ولو راها كردم لكردما ... كردمة العير [1] أحسّ الضيغما
الضيغم: الأسد، والكردمة: النفور، فكتب المهلّب إلى الحجاج يسأله أن يتجافى له عن اصطخر ودارا بجرد لأرزاق الجند، ففعل. وكان قطريّ هدم مدينة اصطخر لأن أهلها كانوا يكاتبون المهلب بأخباره. وأراد مثل ذلك بمدينة فسا فاشتراها منه ازاذ مرد بن الهربذ بمائة ألف درهم، فلم يهدمها فواقعه المهلب فهزمه ونفاه إلى كرمان، وأتبعه ابنه المغيرة، وقد كان دفع إليه سيفا وجّه به الحجاج إلى المهلب، وأقسم عليه أن يتقلده فدفعه إلى المغيرة بعدما تقلد به، فرجع به المغيرة إليه وقد دمّاه، فسرّ المهلّب بذلك، وقال: ما يسرني أن أكون كنت دفعته إلى غيرك من ولدي، اكفني جباية خراج هاتين الكورتين. وضم إليه الرقاد، فجعلا يجبيان ولا يعطيان الجند شيئا. ففي ذلك يقول رجل منهم وأحسبه من بني تميم في كلمة له:
ولو علم ابن يوسف ما نلاقي ... من الافات والكرب الشداد
لفاضت عينه جزعا علينا ... وأصلح ما استطاع من الفساد
ألا قل للأمير جزيت خيرا ... أرحنا من مغيرة والرقاد
فما رزقا الجنود بها قفبزا ... وقد ساست مطامير [2] الحصاد
يقال: ساس الطعام وأساس، إذا وقع فيه السوس. وداد وأداد من الدود.
وروى أبو زيد ديد فهو مدود في هذا المعنى. فحاربهم المهلّب بالسيرجان حتى نفاهم عنها إلى جيرفت، واتّبعهم فنزل قريبا منهم. واختلفت كلمتهم،
(1) العير: الحمار.
(2) المطامير جمع مطمورة الحفيرة تحت الأرض.