دخلناها. فأتوا الأهواز، ثم ترفّعوا عنها إلى إيذج [1] . وكان مصعب قد عزم على الخروج إلى باجمير، فقال لإصحابه: إن قطريّا قد أطلّ علينا وان خرجنا عن البصرة دخلها. فبعث إلى المهلب، فقال: اكفنا هذا العدوّ، فخرج إليهم المهلب، فلما أحس به قطريّ تيمّم نحو كرمان، فأقام المهلب بالأهواز ثم كرّ قطريّ عليه، وقد استعد، فكان الخوارج في جميع حالاتهم أحسن عدّة ممن يقاتلهم بكثرة السلام وكثرة الدواب، وحصانة الجبن [2] ، فحاربهم المهلب فنفاهم إلى رام هرمز، وكان الحرث بن عميرة الهمذانيّ قد صار إلى المهلب مراغما [3] لعتّاب بن ورقاء يقال: إنه لم يرضه عن قتله الزبير بن عليّ، وكان الحرث بن عميرة هو الذي تولّى قتله، وحاص [4] إليه أصحابه. ففي ذلك يقول أعشى همدان:
إنّ المكارم أكملت أسبابها ... لابن اللّيوث الغرّ من قحطان
للفارس الحامي الحقيقة معلما [5] ... زاد الرفاق إلى قرى نجران
الحرث بن عميرة الليث الذي ... يحمي العراق إلى قرى كرمان
ودّ الأزارق لو يصاب بطعنة ... ويموت من فرسانهم مائتان
(ويروى: زاد الرفاق وفارس الفرسان) وتأويله أن الرفقة إذا صحبها أغناها عن التزود، كما قال جرير وأراد ابن له سفرا وفي ذلك السفر يحيى بن أبي حفصة، فقال لأبيه: زوّدني، فقال جرير:
أزادا سوى يحيى تريد وصاحبا ... ألا إنّ يحيى نعم زاد المسافر
فما تنكر الكوماء ضربة سيفه ... إذا أرملوا أو خفّ ما في الغرائر
(1) إيذج: بلد بكردستان.
(2) الجن: جمع جنة بالضم، كل ما يقي الإنسان ويحفظه وأراد بها أداة الحرب وحصانتها وأحكامها.
(3) مراغما: المراغمة، الهجران والتباعد.
(4) حاص إليه أصحابه: عدلوا إليه واجتمعوا عليه.
(5) معلما على صيغة أسم الفاعل من قولهم أعلم الفارس فرسه أي علق عليه صوفا ملونا في الحرب وأعلم نفسه وسمها بسيماء الحرب.