البيّنة فلم يأته بمقنع، فقيل للطالب: استجر وكيع بن أبي سود حتى يشهد لك فإن إياسا لا يجترىء على ردّ شهادته ففعل. فقال وكيع. والله لأشهدنّ لك، فإن رد شهادتي لأعمّلنّه السيف، فلما طلع وكيع فهم إياس عنه، فأقعده إلى جانبه ثم سأله عن حاجته. فقال: جئت شاهدا. فقال له: يا أبا المطرّف، أتشهد كما تفعل الموالي والعجم، أنت تجلّ عن هذا؟ فقال: إذن والله لا أشهد. فقيل لوكيع بعد: إنما خدعك. فقال أولى لابن اللخناء [1] . وشهد رجل من جلساء الحسن بشهادة عند إياس، فرده، فشكا الرجل ذلك إلى الحسن، فأتاه الحسن فقال: يا أبا واثلة، لم رددت شهادة فلان؟ فقال: يا أبا سعيد إن الله تعالى يقول {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدََاءِ} [2] وليس فلان ممن أرضى.
واختلف نصراني إلى أبي دلامة مولى بني أسد يتطّبب لابن له فوعده إن برأ على يديه أن يعطيه ألف درهم، فبرأ ابنه، فقال للمتطبب: إن الدراهم ليست عندي، ولكن والله لأوصّلنّها إليك، ادّع على جاري فلان، هذه الدراهم فإنه موسر وأنا وابني نشهد لك فليس دون أخذها شيء فصار النصراني بالجار إلى ابن شبرمة فسأله البينة، فطلع عليه أبو دلامة وابنه، ففهم القاضي، فلما جلس بين يديه قال أبو دلامة:
إن الناس غطّوني تغطّيت عنهم ... وإن بحثوني كان فيهم مباحث
(وإن حفروا بئري حفرت بارهم ... ليعلم قوم كيف تلك النّبائث [3]
فقال ابن شبرمة: من ذا الذي يبحثك يا أبا دلامة؟ ثم قال للمدعي قد عرفت شاهديك، فخلّ عن خصمك ورح العشية إليّ. فراح إليه فغرمها من ماله. وشهد أبو عبيدة عند عبيد الله بن الحسن العنبريّ على شهادة، ورجل عدل. فقال عبيد الله للمدّعي: أما أبو عبيدة فقد عرفته فزدني شاهدا، وكان
(1) اللخناء: المرأة التي لم تختتن، المنتنة.
(2) سورة البقرة: الاية 282.
(3) النبائث: تراب الابار.