فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 993

إلى اليمن، فخرج فلما سار إلى هناك لم تدعه نفسه وترك الشعر، فقال: [البسيط]

هيهات من أمّة الوهّاب منزلنا ... إذا نزلنا بسيف البحر من عدن [1]

واحتلّ أهلك أجيادا، وليس لنا ... إلّا التذكّر أو حظّ من الحزن [2]

بل ما نسيت غداة الخيف موقفها ... وموقفي، وكلانا ثمّ ذو شجن

وقولها للثريّا وهي مطرقة ... والدمع منها على الخدّين ذو سنن [3]

بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن

إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أخذت بترك الحجّ من ثمن

فلمّا بلغ الشعر الحارث قال: قد علمنا أنه لا يفي.

وروى سفيان بن عيينة عن ابن جريج قال: لزمني دين مرّة فضاقت ساحتي وبلادي بي، فتوجّهت إلى معن بن زائدة باليمن، فقال: ما أقدمك هذه البلدة؟ قلت: دين طردني عن وطني، قال: يقضى دينك، وتردّ إلى وطنك محبوّا محبورا، قال: فأقمت عنده، ثم رأيت الناس يرحلون إلى الحجّ، فحننت إلى مكة، وذكرت قول ابن أبي ربيعة، وذكر الأبيات فأتيت باب معن، فقلت للحاجب: استأذن لي على الأمير، فلمّا دخلت عليه قال: إنّ لك لحادث خبر! قلت: أستودع الله الأمير وأستحفظه عليه. قال: وما هاج هذا منك؟ فقلت: رأيت خروج الناس إلى الحجّ، وذكرت قول عمر فحننت إلى مكّة، فقال:

أنت وحنينك، وإن كنت بفراقك ضنينا، وسيتبعك ما تحتاج إليه فسر مصاحبا، قال:

فسرت إلى رحلي، فأتبعني بمال وثياب ومطايا ودوابّ، وسرت إلى مكّة من فوري.

وكان عمر على غزله، وما يذكره في شعره عفيفا. حدّث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: دخلت مع أبي مكة، فجاءه عمر، فسلّم عليه، وأنا غلام شابّ وعليّ جبّة، فجعل يأخذ بخصلة من شعري فتمتدّ في يده، ثم يرسلها فترجع، فيقول: واشباباه! فقال لي: يا ابن أخي، قد سمعت قولي: «قلت لها وقالت لي» وكلّ مملوك لي حرّ إن كنت قطّ كشفت عن فرج حرام! قال: فقمت وفي نفسي من يمينه شيء فسألت عن رقيقه، فقيل لي: أما في هذا الحول فسبعون.

(1) سيف البحر: ساحله. القاموس المحيط (سيف) .

(2) الحزن: الهمّ. القاموس المحيط (حزن) .

(3) ذو سنن: ذو علامات، وسنن الطريق: نهجه وجهته. القاموس المحيط (سنن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت