وخطب فقال: يا أهل العراق: إن الفتنة تلقح بالنجوى، وتنبح بالشكوى، وتحصد بالسيف. أما والله لقد أبغضتموني فما تضرّونني، ولئن أحببتموني ما تنفعونني. وما أنا بالمستوحش لعداوتكم، ولا المستريح إلى مودتكم: زعمتم أني ساحر، وقد قال الله تعالى: {وَلََا يُفْلِحُ السََّاحِرُ حَيْثُ أَتى ََ} [طه: 69] وزعمتم أني أحسن الاسم الأكبر. فلم تقاتلون من يعلم ما لا تعلمون؟ ثم التفت إلى أهل الشام، فقال: لأرواحكم أطيب من المسك، ولدنوّكم آنس من الولد. وما مثلكم
إلا كما قال أخو ذبيان [1] : [الوافر] إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست منّي
هم درعي التي استلأمت فيها ... إلى يوم النّسار وهم مجنّي
ثم قال: يا أهل الشام بل أنتم كما قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنََا لِعِبََادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} (172) [الصافات: 172171] .
قال بعضهم: رأيت الحجاج وعنبسة بن سعيد واقفين على دجلة. فأقبل الحجاج، وقال: يا عنبسة، إذا كنت في بلد يضعف سلطانه، فاخرج عنه فإن ضعف السلطان أضرّ على الرعية من جوده.
وكان يقول: خير المعروف ما نعشت به عثرات الكرام.
ومما كفّره به الفقهاء قوله: والناس يطوفون بقير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومنبره إنما يطوفون بأعواد ورمّة.
وقال يوما: والله إن طاعتي أوجب من طاعة الله تعالى لأنّ الله تعالى يقول:
{فَاتَّقُوا اللََّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، فجعل فيه مثنوية وطاعتي لا مثنوية فيها.
وضرب رجلا فقال: اعتديت أيّها الأمير، فقال: {فَلََا عُدْوََانَ إِلََّا عَلَى الظََّالِمِينَ}
[البقرة: 193] .
وقف رجل له فقال: أصلح الله الأمير، جنى جان في الحيّ فأخذت بجريرته، وأسقط عطائي. فقال: أما سمعت قول الشاعر [2] : [الكامل] جانيك من يجني عليك وقد ... تعدى الصّحاح مبارك الجرب
ولرب مأخوذ بذنب صديقه ... ونجا المقارف صاحب الذنب
فقال الرجل: كتاب الله أولى ما اتّبع. قال الله تعالى: {قََالَ مَعََاذَ اللََّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلََّا مَنْ وَجَدْنََا مَتََاعَنََا عِنْدَهُ} [يوسف: 79] . فقال الحجاج: صدقت: وأمر بردّ عطائه.
(1) البيتان في ديوان النابغة الذبياني ص 128.
(2) البيت الأوّل لذؤيب بن كعب بن عمرو في الاشتقاق ص 202، وبلا نسبة في لسان العرب (جنى) ، وتهذيب اللغة 11/ 196، وجمهرة اللغة ص 266.