قال الأشعث بن قيس الكندي لشريح القاضي: يا أبا أمية، عهدي بك وإن شأنك لشؤين. فقال: يا أبا محمد أنت تعرف نعمة الله على غيرك وتجهلها في نفسك.
دخل رجل على داود الطائي [1] وهو يأكل خبزا قد بلّه بالماء مع ملح جريش. فقال له: كيف تشتهي هذا؟ قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.
قال الرشيد: ما رأيت أزهد من الفضيل [2] ، فقال الفضيل لما بلغه ذلك:
هو أزهد مني لأني أزهد في فان، وهو يزهد في باق.
ومرّ عبد الله بن عامر بعامر بن عبد قيس وهو يأكل بقلا بملح، فقال له:
لقد رضيت بالقليل. فقال: أرضى منّي بالقليل من رضي بالدنيا.
نظر الفرزدق إلى شيخ من اليمن فقال: كأنه عجوز سبأ. فقال له: عجوز سبأ خير من عجوز مضر تلك. قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمََانَ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ} [النّمل: الآية 44] ، وهذه: {وَامْرَأَتُهُ حَمََّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهََا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) } [المسد: الآيتان 4، 5] .
قال ابن ملجم لعنه الله لعليّ رضي الله عنه لما ضربه بالسيف: إني اشتريت سيفي هذا بألف وسممته بألف، وسألت الله أن يقتل به شرّ خلقه، فقال عليّ كرّم الله وجهه: قد أجاب الله دعوتك. يا حسن، إذا متّ فاقتله بسيفه.
قدم مرزبان من مرازبة فارس باب السلطان في أيام المهديّ يشكو عاملهم، فقال لأبي عبيد الله الوزير: أصلحك الله. إنك وليت علينا رجلا، إن كنت ولّيته وأنت تعرفه، فما خلق الله رعية أهون عليك منّا، وإن كنت لم تعرفه، فما هذا جزاء الملك الذي ولّاك أمره، وأقامك مقامه. فدخل أبو عبيد الله على المهديّ وأخبره، وخرج فقال: إن هذا رجل كان له علينا حقّ
(1) داود الطائي: هو داود بن نصير الطائي، من أكبر مشايخ التصوف، توفي سنة 165هـ. (انظر ترجمته في حلية الأولياء 7/ 335، طبقات الصوفية ص 85، الكواكب الدرية 1/ 192، الطبقات الكبرى 1/ 88، النجوم الزاهرة 4/ 32، البداية والنهاية 3/ 144، صفة الصفوة 3/ 74) .
(2) هو الفضيل بن عياض التميمي، شيخ الحرم ومن أكابر العباد، كان ثقة في الحديث، وعليه تلقي الإمام الشافعي، ولد سنة 105هـ، وتوفي سنة 187هـ (انظر: الطبقات الكبرى 6/ 43، كتاب الثقات 7/ 315، شذرات الذهب 1/ 316) .