من الأسير في يديه بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه. أما بعد فآتاك الله حفظ الوصية، ومنحك نصيحة الرعيّة، وألهمك عدل القضيّة، فإنّك مستودع ودائع ومولى صنائع، فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك، فالودائع مرعيّة، والصنائع عارية، وما النعم عليك وعلينا فيك بمستور نداها، ولا مبلوغ مداها، فاذكر القصاص، واطلب الخلاص، وأنبه للتّفكّر قلبك، واتّق الله ربّك، واعط من نفسك من هو تحتك ما تحبّ أن يعطيك من هو فوقك من العدل والرأفة والأمن من المخافة. فقد أنعم الله عليك إذ فوّض أمرنا إليك فاعرف لنا شكر المودّة وأعتقنا من الشدة والرّضا بما رضيت، والقناعة بما هويت فإن علينا من ثقل الحديد أذّى شديدا، مع معالجة الأغلال، وقلة رحمة العمّال، الذين تسهيلهم الغلظة، وتيسيرهم الفظاظة، وإيرادهم علينا الغموم، وتوجيههم إلينا الهموم زيارتهم الحراسة، وبشارتهم الإياسة فإليك نرفع كربة الشكوى، ونشكو شدة البلوى. ومتى تمل إلينا طرفا وتزوّدنا منك
عطفا تجد عندنا نصحا صريحا، وودّا صحيحا، ولا يضيع مثلك مثله، ولا يتّقي مثلك أهله فارع حرمة من أدركت حرمته، واعرف حجّة من فلجت حجّته فإن الناس من حوضك رواء، ونحن منه ظماء. يمشون في الأبراد، ونحجل في الأقياد، بعد الخير والسّعة، والخفض والدّعة. والله المستعان وعليه التّكلان، صريخ الأخيار ومنجي الأبرار. الناس من دولتنا في رخاء، ونحن منها في بلاء: حيث أمن الخائفون، ورجع الهاربون، رزقنا الله منك التحنّن، وظاهر علينا منك المنن فإنك أمين للمؤمنين مستودع وذائد مصطنع.
وكتب عبد الله إلى بعض إخوانه:
أما بعد، فقد عاقني الشكّ في أمرك عن عزيمة الرأي فيك. ابتدأتني بلطف عن غير خبرة ثم أعقبتني جفاء من غير ذنب، فأطمعني أوّلك في إخائك، وآيسني آخرك من وفائك. فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطّراحا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة. فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرّأي عن عزيمة الشكّ في أمرك فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف.
والسلام.
كان عبد الله بن جعفر إذا غنّته الجارية يقول: أحسنت إليّ والله، وكان يتأثّم أن يقول: أحسنت والله.
ووفد على معاوية فأنزله في داره، فقالت له ابنة قرظة امرأته: إنّ جارك هذا يسمع الغناء فاطّلع عليه وجارية له تغنّيه، وتقول: [السريع]
إنك والله لذو ملّة ... يصرفك الأدنى عن الأبعد [1]
وهو يقول: يا صدقكاه! قال ثم قال: اسقيني. قالت: ما أسقيك؟ قال:
ماء وعسلا. فانصرف معاوية وهو يقول: ما أرى بأسا.
(1) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص 212، والرواية فيه:
إن لم تحل أو تك ذا ميلة ... بطرفك الأدنى على الأقدم
ولسان العرب (طرف) ، (ملل) .