فهرس الكتاب

الصفحة 1002 من 1777

خطب ذات يوم بالكوفة فقال: يا أهل العراق، أتيتكم وأنا أرفل في لمّتي، فما زال شقاقكم حتّى اخضر شعري. ثم كشفت عن رأس له أقرع، وقال: [المنسرح] من يك ذا لمة تكشّفها ... فإنني غير ضائري ذعري

لا يمنع المرء أن يسود وأن ... يضرب بالسيف قلة الشعر

قال الشعبيّ [1] : سمعت الحجاج يقول: أما بعد، فإن الله جل وعلا كتب على الدنياء الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لمن كتب عليه الفناء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الأمل يقصر الأجل.

وقال ابن عياش عن أبيه، قال: إن أوّل يوم عرف فيه الحجاج وكان في الشّرط مع عبد الملك أن عبد الملك بعث إلى زفر بن الحارث عشرة نفر، أنا فيهم، ومعنا الحجاج وغيره من الشّرط. قال: فكلمناه، وأبلغناه رسالة عبد الملك، فقال: لا سبيل إلى ما تريدون. قال: فقلت له: يا هذا، أراه والله سيأتيك ما لا قبل لك به. ثم لا يغني عنك فسّاقك هؤلاء شيئا، فأطعني واخرج.

قال: وحضرت الصلاة فقال: نصلّي، ثم نتكلم. فأقام الصلاة ونحن في بيته، فتقدم وصلّى بنا وتأخّر الحجاج، فلم يصلّ. فقلت له: أبا محمد. ما منعك من الصلاة!؟ قال: أنا لا أصلّي خلف مخالف للجماعة، مشاقّ للخلافة. لا، والله لا يكون ذلك أبدا. قال: فبلغت عبد الملك. فقال: إن شرطيكم هذا لجلد.

وخطب يوما فقال: يا أيها الناس إن الصّبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله.

فقام إليه رجل فقال: ما أصفق وجهك، وأقل حياءك أيها الحجاج؟ فقال له الحجاج: اجترأت علي. فقال له: أتجترئ على الله ولا ننكره. وأجترئ عليك فتنكره فحلم عنه، وخلّى سبيله.

قال عبد الملك بن عمير: سمعت الحجاج يقول في خطبته: أيها الناس لا يملّنّ أحدكم من المعروف، فإن صاحبه يعرض خيرا، إما شكر في الدنيا وإما ثواب في الآخرة.

وقال الحجاج لعبد الملك: ما فيّ عيب إلا أنّي حسود، حقود، لجوج.

فقال: ما في الشّيطان شيء، شرّ ممّا ذكرت.

(1) الشعبي: هو عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي الحميري، أبو عمرو الكوفي، تابعي من رجال الحديث، وكان فقيها شاعرا، توفي سنة 103هـ (انظر ترجمته في: كشف الظنون 5/ 435، تهذيب التهذيب 5/ 65، وفيات الأعيان 1/ 306، تاريخ بغداد 12/ 227) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت