الصفحة 236 من 253

فأَنت ترى في كل مثال من الأَمثلة السابقة أنِّ الشاعر أَنكر سبب الشيء المعروف والتجأَ إلى علة ابتكرها تناسب الغرض الذي يرمي إليه، ويسمَّى هذا الأُسلوب من الكلام حسن التعليل .

القاعدةُ:

(74) حُسنُ التَّعْلِيل: أنْ يُنْكِرَ الأَديبُ صَرَاحَةً أوْ ضِمْنًا عِلَّةَ الشَّيْءِ الْمَعْرُوفَةَ، وَيَأْتي بعلَّةٍ أَدَبيَّةٍ طَريفَةٍ تُنَاسِبُ الغَرَضَ الَّذِي يَقْصِدُ إِلَيْهِ.ً

تمريناتٌ

(1) وضحْ حُسْنَ التعليل في الأَبيات الآتية:

(1) قال ابن نباتة [1] :

لمْ يزَلْ جْودُه يجُورُ على الْمالِ ... ... إِلى أَنْ كَسا النُّضَارَ اصْفِرارا

(2) وقال شاعر الحاكم يمدحُ ويُعلل لزلزَالٍ حدثَ بمصرَ [2] :

ما زُلزلَتْ مِصْرُ مِن كَيْدٍ يُرادُ بِها ... ... وإنما رقَصتْ منْ عِدْلِهِ طَربا

(3) قال عبد الملك بن إدريس الحريريّ وكان بين يدي المنصور أبي عامر في ليلة يبدو فيها القمر تارةً ويختفي بالسَّحابِ تارةً، وهو [3] :

أَرَى بَدْرَ السَّماءِ يلوحُ حينًا ... ويبدُو ثمَّ يلتحِفُ السَّحَابَا

وذاكَ لأنَّه لمَّا تبدَّى ... وأَبصرَ وجهكَ اسْتَحْيا وغابَا

(4) قال ابن قلاقس [4] في وصف فرس أدْهم ذِي غرَّة [5] :

وأَدهمَ كالغُرابِ سَوادَ لَوْنٍ ... يَطيرُ معَ الرِّياحِ ولا جَنَاحُ

كساهُ اللَّيْلُ شملتهُ وولَّى ... فقبَّلَ بينَ عينيهِ الصَّباحُ [6]

(5) وقال ابن نُباتة السعدي في فرس محجَّل [7] ذي غُرة [8] :

وأَدْهَم يستَمِدُّ اللّيلُ مِنْهُ ... ... وتَطْلُعُ بيْنَ عيْنيْهِ الثّريَّا [9]

سرَى خَلْفَ الصَّباحِ يطِيرُ زَهْوًا ... ... ويَطْوي خَلْفَهُ الأَفلاَكَ طيَّا [10]

(1) - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 271)

(2) - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 271)

قلت: وهذا من أكاذيب الشعراء ، لأن الزلال لا يكون إلا عقوبة من العقوبات التي شاءها الله تعالى على هذه الأمة ، ومن علامات الساعة كذلك ، قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (40) سورة العنكبوت و في صحيح البخارى (1036 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ ، وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ - وَهْوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ - حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضُ »

(3) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 1 / ص 588) ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 269)

(4) - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 269)

(5) - الأدهم: الأسود، والغرة: بياض في جبهة الفرس.

(6) - الشملة: ثوب يتلفف به.

(7) - التحجيل: بياض في قوائمُ الفرس.

(8) - نهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 3 / ص 78) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 117)

(9) - يقول: إن الفرس لشدة سواده يستعير الليل لونه، ويشبه الشاعر غرة الفرس بالثريا.

(10) - الزهو: الكبر والفخر، والأفلاك: جمع فلك وهو مدار النجوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت