الصفحة 213 من 253

هَلاَّ نَهَاكَ نُهَاكَ عَنْ لَوْمِ امْرئٍ ... ... لَمْ يُلْفَ غَيْرَ مُنَعَّمٍ بِشَقَاءِ [1]

(5) وقالت الخنساءُ من قصيدة تَرثي فيها أخاها صخرًا [2] :

إِنَّ الْبُكاءَ هُوَ الشِّفَا ... ... ءُ مِنَ الجَوَى بَيْنَ الْجَوَانِح [3]

(6) وقال تعالى حكايةً عنْ هَرون يخاطبُ موسى عليهما السلام: {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} (94) سورة طه.

البحثُ:

تأَمل الأمثلة السابقة تجدْ في كل مثال كلمتين تجانس إحداهما الأخرى وتشاكلها في اللفظ مع اختلاف في المعنى؛ وإيرادُ الكلام على هذا الوجه يسمَّى جناسًا.

ففي المثال الأول من الطائفة الأولى تجد أَن لفظ"الساعة"مكررٌ مرتين، وأن معناه مرةً يومُ القيامة، ومرة إحدى الساعات الزمانية، وفي المثال الثاني ترى"يَحْيى"مكررا مع اختلاف المعنى. واختلافُ كل كلمتين في المعنى على هذا النحو مع اتفاقهما في نوع الحروف وشكلها وعددها وترتيبها يُسمَّى جناسًا تامًّا.

وإذا تأمَّلتَ كلَّ كلمتين متجانستين في الطائفة الثانية رأيت أنهما اختلفتا في ركن من أَركان الوفاق الأَربعة المتقدمة، مثل تقْهرْ وتَنْهَرْ، ونَهاكَ ونُهَاكَ. والجَوى والْجوانحِ، وبيْن وبَنى، على ترتيب الأَمثلة، ويُسمَّى ما بين كل كلمتين. هنا من تجانس جناسًا غير تامٍّ.

والجناسُ في مذهب كثير من أهل الأدب غيرُ محبوب؛ لأَنه يؤدي إلى التعقيد، ويَحول بين البليغ وانطلاق عِنانه في مضمار المعاني اللهم إِلا ما جاءَ منه عفوًا وسَمحَ به الطبعُ من غير تكلفٍ.

القاعدةُ:

(68) الجِنَاسُ أَنْ يَتَشَابَهَ اللفظانِ في النُّطْق وَيَخْتَلِفَا في الْمَعْنى. وهو نَوْعانِ:

(أ) تَامٌّ: وهو ما اتَّفَقَ فيه اللفظان في أمورٍ أَربعةٍ هيَ: نَوْعُ الحُروفِ، وشَكلُهَا، وعَدَدُها، وتَرْتيبُها.

(1) - النهى: جمع نهية وهي العقل، ويلفى: يوجد.

قلت: والبيت في معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 330)

(2) - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص - (ج 1 / ص 328) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 122)

(3) - الجوى: الحرقة وشدة الوجد، الجوانح: الأضلاع التي تحت الترائب وهى مما يلي الصدر كالضلوع مما يلي الظهر، والواحدة جانحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت