الصفحة 115 من 253

فيصرحُ لك في جلاءٍ، وفي غير خشيةٍ بتفضيل جودِ صاحبه على جود الغيم، ولا يكتفي بهذا، بل تراهُ يَنْهى السَّحابَ في صورة تهديدٍ أن يُحاولَ التشبهَ بممدوحه; لأنه ليس من أمثالهِ ونظائرهِ، أو بقول المتنبي [1] :

وَأقْبَلَ يَمشِي في البِساطِ فَما درَى إلى البَحرِ يَسعى أمْ إلى البَدْرِ يرْتَقي

يصف حال رسول الروم داخلا على سيف الدولة، فَيَنْزَعُ في وصف الممدوح بالكرم، إلى الاستعارة التصريحية، والاستعارةُ - كما علمتَ - مبنيةٌ على تناسي التشبيهِ، والمبالغةُ فيها أعظمُ، وأثرهُا في النفوس أبلغُ.

أو يقولُ [2] :

دَعوتُ نَدَاهُ دعوةً فأجابَنِي و عَلَّمنِي إحسانُهُ كَيْفَ آمُلهْ

فيُشَبَّهُ نَدى ممدوحهِ وإحسانهِ بإنسانٍ ،ثم يحذف المشبَّه به، ويرمزُ إليه بشيءٍ من لوازمهِ، وهذا ضربٌ آخر من ضروبِ المبالغة ِالتي تساق الاستعارةُ لأجلها.

أو بقول المتنبي [3] :

قَوَاصِدُ كافورٍ نَوَارِكُ غَيْرِهِ ... وَمَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السوَاقِيا

فيرسلُ العبارةَ كأنَّها مَثلٌ، ويصوِّر لك أنَّ من قصد ممدوحَه استغنى عمَّنْ هو دونه، كما أنَّ قاصدَ البحرِ لا يأبهُ للجداول، فيعطيك استعارة تمثيليةً، لها روعةٌ، وفيها جمالٌ، وهي فوق ذلك تحملُ برهانًا على صدق دعواهُ، وتؤيِّدُ الحال الذي يَدَّعيها.

أو يقول المتنبيِّ [4] :

ما زِلْتَ تُتْبِعُ ما تُولي يَدًا بيَدٍ حتى ظَنَنْتُ حَياتي مِنْ أياديكَا

فيعدلُ عن التشبيه والاستعارة، إلى المجاز المرسلِ ويطلق كلمةَ يدٍ ويريدُ بها النعمةَ; لأن اليدَ آلةٌ النعم وسببها.

أو يقول [5] :

أعَادَ يَوْمُكَ أيامِي لِنَضْرَتِهَا واقْتَصَّ جودُك مِنْ فَقرِي وإعْسَاري

فيسندُ الفعلَ إلى اليوم، وإلى الجودِ، على طريقة المجاز العقليِّ.

أو يقول أبو النواس [6] :

(1) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 252) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 16)

(2) - لم أجده

(3) - نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (ج 1 / ص 192) والواضح في مشكلات شعر المتنبي - (ج 1 / ص 3) وشرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 311) والوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 34) وغرر الخصائص الواضحة - (ج 1 / ص 63) وزهر الآداب وثمر الألباب - (ج 1 / ص 222) ونهاية الأرب في فنون الأدب - (ج 1 / ص 69) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 150)

(4) - شرح ديوان المتنبي - (ج 1 / ص 52) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 49 / ص 31)

(5) - لم أجده

(6) - الوساطة بين المتنبي وخصومه - (ج 1 / ص 77) ومحاضرات الأدباء - (ج 1 / ص 246) وطبقات الشعراء - (ج 1 / ص 18) والعقد الفريد - (ج 2 / ص 333) والأغاني - (ج 4 / ص 379) وتراجم شعراء موقع أدب - (ج 31 / ص 389) والإيضاح في علوم البلاغة - (ج 1 / ص 106)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت