ولا ريب في أن الطغيان الذي هو الكفر والضلال من الأفعال القبيحة التي تسند إلى الشياطين لذا لا يجوز إسنادها إلى الله تعالى. ومن هنا أسس الزمخشري جوابه على ما يلي:
الأول: لما أصرّ الكافرون على كفرهم خذلهم الله عز وجل، ومنعهم من ألطافه فتزايد الدنس في قلوبهم فسمى تزايد الدنس مددا في الطغيان، وأسند إيلاؤه إلى الله عز وجل، وظهر هنا مجاز لغوي [1] في المسند ومجاز عقلي في الإسناد لأنه إسناد الفعل إلى المسبب له وفاعله في الحقيقة هم الكافرون.
الثاني: أريد بالمد في الطغيان ترك الإلجاء إلى الإيمان كما قيل: إن السفيه إذا لم ينه مأمور، وهو فعل الله فإسناده إليه حقيقة وإن كان المسند مجازا.
الثالث: بأن المراد منه معناه الحقيقي وهو فعل الشيطان غير أنه أسند إليه عز وجل على سبيل المجاز لا الحقيقة على مذهبه الاعتزالي، وجاء إسناده إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره أولئك إشارة إلى المذكورين بما اتصفوا من الصفات الشنيعة المميزة لهم [2] .
وقد نصّ الرازي في هذا المعنى [3] على رأي المعتزلة الذين رأوا عدم إمكان إجراء هذه الآية على ظاهرها لوجوه:
(1) المجاز نوعان: مفرد ومركب (المركب كالاستعارة التمثيلية) . والمفرد كلمة تستعمل لغير ما وضعت له في الحقيقة لقرينة تجمع بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي. فإذا كانت العلاقة هي التشبيه فالمجاز استعارة وإن كانت غير ذلك فالمجاز مرسل. والمجاز المفرد بذلك: لغوي (نقل الكلمة من معناها اللغوي الحقيقي إلى آخر نحو الرجل الأسد) وشرعي: (نقل الكلمة من معناها الشرعي إلى معنى آخر مثل لفظ الصلاة المعروف في الدين تنقله إلى معنى الدعاء. والعرفي: (أن تنقل فيه الكلمة من مدلولها المتعارف عليه إلى غيره، لذا تجد الفرق واضحا بين معنى فعل العام في النحو وبين ما تدل عليه من معنى خاص(الدال على حدث) : معجم الشامل في علوم اللغة العربية ومصطلحاتها دار العودة، بيروت، ط 2، 1985م، ص، 808والمجاز في التركيب يسمى مجاز الإسناد. والمجاز العقلي وعلاقته الملابسة كأنه يسند الفعل أو شبهه إلى ما هو له أصالة لملابسته له كقوله تعالى: {وَإِذََا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيََاتُهُ زََادَتْهُمْ إِيمََانًا} [الأنفال: 2] :
نسبت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكونها سببا لها. انظر الغزي محمد بن محمد بن محمد، إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن، ج 2، ص 9897، 99وانظر محمد عبد الرءوف المناوي (ت 1031هـ) ، التوقيف على مهمات التعاريف، ص 637.
(2) انظر ابن المنير، الإنصاف، هامش الكشاف، ج 1، ص 188، 189وتفسير أبي السعود (ت 951هـ) ، ج 1، ص 48.
(3) التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 3، ج 2، ص 71.