ومن ذلك قوله تعالى:"فسألت أودية بقدرها"أي: سالت مياه أودية .
وكذلك قوله تعالى بقدرها يعني بقدر مياهها .
ألا ترى أن المعنى ليس على أنها سالت بقدر أنفسها لأن أنفسها على حال واحدة وإنما تكون كثرة المياه وقلتها وشدة جريها ولينه على قدر قلة المياه المنزلة وكثرتها .
ومن حذف المضاف قوله تعالى:"إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك"بالتاء ونصب الباء .
والمعنى: هل تستطيع سؤال ربك فحذف المضاف .
وذكروا الاستطاعة في سؤالهم لأنهم شكوا في استطاعته ولكنهم ذكروه على وجه الاجتماع عليه منهم كأنهم قالوا: إنك تستطيع فما يمنعك مثل ذلك قولك لصاحبك: أتستطيع أن تذهب عني فإني مشغول أي: اذهب لأنك غير عاجز عن ذلك .
وأما أن في قوله:"هل يستطيع ربك أن ينزل"فهو من صلة المصدر المحذوف ولا يستقيم الكلام إلا بتقدير ذلك .
ألا ترى أنه لا يصلح: هل تستطيع أن يفعل غيرك وإن الاستفهام لا يقع عنه كما لا يصح في الإخبار: أنت تستطيع أن يفعل زيد .
وأن في قوله"أن ينزل علينا"متعلق بالمصدر المحذوف على أنه مفعول به .
فإن قلت: هل يصح هذا على قوله سيبويه وقد قال: إن بعض الاسم لا يضمر في قوله: إلا الفرقدان .
فإن ذلك لا يصح لأنه كما ذهب إليه في قوله: ونار توقد بالليل نارا ومثل حذف المضاف قوله تعالى:"إنه عمل غير صالح"أي ذو عمل فحذف المضاف .
ومثله قوله تعالى:"كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار"أي على كل قلب كل متكبر وذلك فيمن قرأ مضافًا أعني قلبًا إذ لا يصح أن يقال: يطبع على جملة كل قلب من المتكبر .
إنما المعنى: أنه يطبع على القلوب إذا كانت قلبًا قلبًا .
وقد ظهر هذا المضاف في قراءة ابن مسعود: على قلب كل متكبر .
ومثله:"ثم لا تجد لك به"أي: بإذهابه وإغراقه .
ومن حذف المضاف قوله تعالى:"وما علمناه الشعر"تقديره: وما علمناه صناعة الشعر لأنهم نسبوه عليه السلام إلى ذلك في قوله تعالى:"افتراه بل هو شاعر".
وقوله تعالى:"أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون"فنفى ذلك .
وليس المراد بهذا الكرم أنه لا يقيم بيتا لأن ذلك تكرر عليه مع صحة العقل والسمع بعد ألا يحفظه .
ألا ترى أن الصغار منا ومن يقرب من الأطفال قد يحفظون ذلك ويؤدونه .
والبيت الواحد يكون شعرًا إلا أن قائله لا يكون شاعرًا كما أن من بنى مفحصًا ودرجة ومعلفًا ونحو ذلك مما يقل يقال له بناء .