ولما اشتهر أمره بهمذان وذاع صوته، استدعي منها إلى بلاط آل بويه بمدينة الري، ليقرأ عليه أبو طالب بن فخر الدَّولة علي بن ركن الدَّولة الحسن بن بويه الدَّيلمي. وهناك التقى برجل خطير كان يبغي من قبل أن يعقد صلة بينه وبينه، حتى لقد أنفذ إليه من همذان كتابًا من تأليفه، هو"كتاب الحجر (1) ". ذلك الرجل الخطير هو الصاحب إسماعيل بن عباد (2) . وفي هذه الآونة زال ما كان بين أبي الحسين وبين الصاحب من انحراف، كانت علته انتساب ابن فارس إلى خدمة آل العميد (3)
(1) في إرشاد الأريب:"كان الصاحب منحرفًا عن أبي الحسين بن فارس، لانتسابه إلى خدمة آل العميد وتعصبه لهم، فأنفذ إليه من همذان كتاب الحجر من تأليفه، فقال الصاحب: ردّ الحجر من حيث جاءك. ثم لم تطب نفسه بتركه فنظر فيه وأمر له بصلة".
(2) هو أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن العباس بن عباد. وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء، لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد، فقيل له"صاحب ابن العميد"ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة، وبقي علمًا عليه. وقيل إنما سمي الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة أبا منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه الديلمي، وتولى وزارته بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل بن العميد، فلما توفي مؤيد الدولة في سنة 373 بجرجان استولى على مملكته أخوه فخر الدين أبو الحسن علي، فأقر الصاحب على وزارته. توفي سنة 385 بالري.
(3) كان من أشهر آل العميد أبو الفضل محمد بن الحسين. والعميد لقب والده الحسين، لقبوه بذلك على عادة أهل خراسان في إجرائه مجرى التعظيم. وكان أبو الفضل عماد آل بويه، وصدر وزرائهم، وهو الذي قيل فيه:"بدئت الكتابة بعبد الحميد، وختمت بابن العميد". قال الثعالبي في اليتيمة
(3: 8) في ترجمته ابن العميد:"وكان كل من أبي العلاء السروي، وأبي الحسن العلوي العباسي، وابن خلاد القاضي، وابن سمكة القمي، وأبي الحسين بن فارس، وأبي محمد مندو يختص به ويداخله وينادمه حاضرًا، ويكاتبه ويجاوبه ويهاديه نثرًا ونظمًا"وكان أبو الفضل وزير ركن الدولة أبي الحسن علي بن بويه، والد عضد الدولة، تولى وزارته عقب موت وزيره أبي علي بن القمي سنة 328. وللصاحب فيه مدائح كثيرة. ولما توفي أبو الفضل ولي الوزارة بعده لركن الدولة ولده أبو الفتح علي. ولما توفي ركن الدولة وولي بعده ولده"مؤيد الدولة"استوزره أيضًا. وكان بين أبي الفتح والصاحب منافرة، ويقال إن الصاحب أوغر قلب مؤيد الدولة عليه، فقبض عليه واعتقله وسامه سوء العذاب، وولّى مكانه الصاحب بن عباد. وقد روى ابن فارس في هذا الجزء من المقاييس ص206 عن أبي الفضل بن العميد.