فأما ما يتعلق بالعدالة: فالعدالة هي:"الإستقامة"وهذه الإستقامة مرجعها إلى الإعتقاد والأقوال والأعمال. فلا بد أن يكون الإعتقاد والأقوال والأعمال مستقيمة حتى يكون هذا الراوي مستقيمًا وعدلًا. لكن أحيانًا قد تتخلف بعض هذه الأشياء ومع ذلك لا يضر هذا الراوي فيما يتعلق بالحكم عليه من حيث الثقة وعدم ذلك.
فمثلًا المبتدع إذا لم تكن بدعته بدعة كبرى تخرجه من الملة. فهذا لا ينافي أن يحكم عليه بالثقة. وذلك أنه إذا كان صادقًا وكان حافظًا وضابطًا، فهذا لا يمنع من إطلاق الثقة عليه وإن كان هو ليس بعدل فيما يتعلق بالإعتقاد وذلك بسبب بدعته لأن هذا ليس له علاقة في الحكم على الراوي من حيث الثقة وعدمها. تلك الثقة التي تدعونا لقبول الإسناد وعدم رده. ولذلك أهل العلم وثقوا كثيرًا من الرواة ممن وصف ببدعة وقبلوهم في مجال الرواية وصححوا أحاديثهم.
مثال ذلك: محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله، قال في صحيحه:"حدثنا عباد بن يعقوب الراوجني الثقة في حديثة، المتهم في دينه" (1) ففرق مابين توثيقه في حديثه وما بين اعتقاده فقال:"المتهم في دينه"وذلك أنه متهم بالتشيع، ففي الحقيقة أن البدعة لا يرد بها الخبر مطلقًا على القول الصحيح، سواءً كان هذا الراوي روى فيما يؤيد بدعته أو فيما لا يؤيد بدعته. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: رد رواية المبتدع مطلقًا. وأن الراوي المبتدع لا يقبل في مجال الرواية، وبالتالي لا يصح خبره ولا يقبل.
وهذا القول يذهب إليه أحيانًا"أبو حاتم بن حبان البستي"صاحب الصحيح وهناك أمثلة على تضعيفه لبعض الرواة من أجل بدعة ثقتهم في حديثهم. فمثلًا أنه ضعف"حريز بن عثمان الرحبي" (2) وهو ثقة ثبت وإنما الذي دعاه إلى تضعيفه، هو ما يتعلق ببدعته ألا وهى بدعة النصب، فلذلك ذهب إلى تضعيفه مع أنه ثقة ثبت وممن يذهب إلى ذلك أبوإسحاق إبراهيم ابن يعقوب الجوزجاني وخاصة فيمن وصف بالتشيع، فكان يرد حديث من هو موصوف بذلك. إلا نفرًا من الرواة ممن اشتهروا بالحفظ والضبط كأبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وسليمان بن مهران الأعمش مع أنه حاول أن يرد أحاديثهم، ثم قبلهم.
القول الثاني: هو التفصيل: فإذا كان هذا الراوي روى حديثًا يؤيد بدعته فهنا لا يقبل، وأما إذا روى حديثًا لا يؤيد بدعته فيقبل , وهذا التفصيل قال به إبراهيم بن إسحاق الجوزجاني كذلك (3) ، واختاره كثير من المتأخرين ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله (4) .
القول الثالث: أن البدعة لا تؤثر على الراوي. إذا ثبت أنه حافظ ضابط وصادق ليس بكاذب، وهذا قول جمهور النقاد، جمهور المتقدمين وعلى رأسهم"الإمام علي ابن المديني ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان" (5) وغيرهم، وعلى هذا المذهب البخاري ومسلم والترمذي والنسائي"وغيرهم من أهل العلم بالحديث."
ومن ذلك: أن مسلم بن الحجاج - رحمه الله - خرج من طريق عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال:"إنه لعهد النبي الأمي إلى أنه لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق (6) "وعدي بن ثابت"موصوف بأنه قاص الشيعة (7) . ولا شك أن هذا الحديث قد يكون فيه تأييد لبدعته. وهو لا يدل على ذلك.ومع ذلك خرج الإمام مسلم هذا الحديث له من طريقه. وأبو نعيم صاحب الحلية عندما روى هذا الحديث في كتابه قال هو متفق على صحته،"
ويعني بقوله هذا أن هذا الحديث قد جمع شروط القبول التي يشترطها أهل العلم بالحديث.
فهو له اصطلاح خاص في قوله متفق على صحته فليست عنده ما رواه البخاري ومسلم وإنما معناها ما أسلفنا. ومن الأمثلة على ذلك هذا الحديث رواه وقال متفق على صحته، فأقول إن القول الثالث هو القول الصحيح لأنه:
أولًا: قول المتقدمين من أهل العلم بالحديث.
ثانيًا: أنه الذي جرى عليه العمل.