الصفحة 134 من 199

-إذا كان قد تعرَّض للجنابة في حال الكفر، وَجَبَ عليه أن يغتسل من الجنابة بعد الإسلام، سواء كان قد اغتسل في حال كفره من الجنابة أو لم يغتسل؛ لأن أعمال الكفار حابطة، فلا تُقبل منهم طاعة ولا عبادة - كما قال تعالي: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ}

فالإيمان شرطُ في صحة الطاعات. فهذا المشرك الذي أجنَب في حال كفره ثم اغتسل لرفع الجنابة، هذا الاغتسال عبادة، والعبادة لا تصح من الكفار.

-فإن لم يكن تعرَّض للجنابة في حال الكفر [1] ، ففي هذه الحالة يُستحب له أن يغتسل.

وهذه الرواية هي التي أخذ بها الإمام النووي وجمهور الشافعية.

وذهب أبو حنيفة إلي أن الكافر لا يجب عليه الاغتسال سواء كان أجنَبَ أو لم يجنب، وسواء اغتسل من الجنابة في حال كفره أو لم يغتسل.

واحتج أبو حنيفة بما يلي:

أولًا: قول الله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} ، وبما ثبت في صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ.

وفي رواية: يَجُبُّ ما قبله.

وأجيب عن ذلك بأن:

1 -المراد بالآية: غفران الذنوب، أما الحقوق والشروط فإنها لا تسقط، فلو أن رجلًا كافرًا كان عليه دَيْنٌ ثم أسلم، فالإسلام لا يُسقط عنه هذا الدَّين بالإجماع، وكذلك لو عليه قصاص، فالإسلام لا يُسْقط عنه هذا القصاص بالإجماع.

(1) - هذه الصورة متصورة، فمعلوم أن علامات البلوغ في الرجل: إما أن يَحْتَلم، وإما أن ينبت شعر العانة، وإما أن يبلغ السن الذي اتفق الفقهاء علي أن من وَصَل إليه كان بالغًا، وقد اخْتُلف في هذا السن، فمنهم من قال: خمسة عشر عامًا، وأكثر رواية قيلت في هذه المسألة: تسعة عشر عامًا. فالقول المُجمع عليه: تسعة عشر عامًا؛ لأن الذين قالوا: خمسة عشر، أو ستة عشر، أو سبعة عشر، أو ثمانية عشر، كل هؤلاء متفقون علي أنه إن وَصَل إلي التاسعة عشر من عمره، فإنه يكون بالغًا.

كذلك نفس الحال بالنسبة للمرأة، ويزيد عليها الحيض.

فممكن أن يبلغ الإنسان بوصوله للسن الذي أجمع العلماء علي أن من وَصَل إليه فقد بلغ، أو بإنبات شعر العانة، وبغير احتلام، ثم يُسْلم، فهذا لم يتعرض للجنابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت