الصفحة 130 من 199

وهذا ثابت في الصحيح فلما بلغ الرسول هذا الأمر، سنَّ لأصحابه الرَّمل حول الكعبة لكي يُثبت للكفار خلاف ما توهموه [1] ،

وبعد أن فتح النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مكَّةَ وحج حجة الوداع بعد أن نزل قوله تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِن اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ثم نزلت آية الجزية، وهذا الكلام كان سنة 9 هـ، أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلي أبي بكر الصديق، وأمر أبو بكر: أبا هريرة أن يؤذن في الناس ثم أَتْبَعَ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بعليّ بن أبي طالب فأذَّن في الناس فقال: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.

إذن: لما ذهب الرسول - صلى الله عليه وسلم - سنة عشرة، كان المشركون قد مُنعوا من دخول مكة، ومع ذلك لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرابع من ذي الحجة في وقت الضحي في حجة الوداع، رَمَلَ في طوافه.

ومن ذلك يتبين أنه من الممكن أن يكون هناك سبب للتشريع ثم بعد ذلك يظل التشريعً ساريًا حتي وإن انتهت علته.

استدل الجمهور أيضًا بما رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. ووجه الدِّلالة من هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رتَّب هذا الفضل علي مجرد الوضوء مع الاستماع والإنصات دون أن يأمر بالغسل، فهذا يدل علي أن الغسل مستحب فقط وليس بواجب.

وأجاب عن ذلك الحافظ بن حجر فقال: ولا دلالة في الحديث؛ لأنه في بعض طرقه عند مسلم أيضًا: اغتسل بدل من توضأ. فيبقي أمامنا أحد طريقين:

-إما أن نجمع بين النَّصين وهذا هو الواجب، فيكون المعني أنه صلي الفجر ثم اغتسل ثم نام، وبعد أن استيقظ سيتوضأ فقط.

-وإما أن نقول: الحديث تَطَرَّق إليه الإحتمال وعند الاحتمال يسقط الإستدلال.

واستدل الجمهور أيضاُ بحديث سَمُرَة بْنِ جُنْدُب عند الخمسة لكنه عند ابن ماجه من حديث جابر بن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ.

(1) - وذلك مثل: السَّبغ بالسواد، هذه كبيرة من الكبائر ونهي عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن يجوز صبع الشعر بالأسود في الحَرْب، وكذلك: حرم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: العجبَ وبيَّن أنه من الكبائر، لكن يجوز العجب في الحرب كأن يقف المسلم في الحرب يختال في زَهوٍ واستعلاء ... وهكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت