فهذه هي صفة التمام , وهي عَيْن ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم ذكر جابر - رضي الله عنه - بعد ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع من عرفة إلى مُزدلفة. ومن السنة حينئذٍ أن يتحلى العبد بالسكينة , وأن يسير سيرًا هادئًا , فإن وجد فجوة أسرع حتى يدخلَ في هذه الفجوة كما فعل - صلى الله عليه وسلم - , وكما أمر أصحابه أن يفعلوا؛ فقد كان أسامة بن زيد - والحديث في الصحيحين - رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - , وذكر أنه - صلى الله عليه وسلم - حين أفاض من عرفة إلى مزدلفة , كان يَسِيرُ الْعَنَقَ [1] , والعنق هو السير بين الإبطاء والإسراع , يعني: سيرًا معتدلًا. فإذا وجد فجوة نَصَّ , يعني: أسرع ودخل في هذه الفجوة , وأمر أصحابه بذلك.
فإذا رجعنا إلى حديث الفضل بن العباس , وهذا الحديث في صحيح مسلم , سنجد أن الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ رَدِيفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - من مزدلفة إلى منى فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ [2] .
قال جابر:
وَقَدْ شَنَقَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ. كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ , حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ , وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا , ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ , وَصَلَّى الْفَجْرَ - حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ - بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ , ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ , فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ , فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا , فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
(( قال مقيده ) ):
نقفُ هنا وقفةً للكلام عن أمور:
أولًا: النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى المغرب والعشاء جمع تأخير
وهذا ثابت في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - , وثابت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ,
(1) - أخرجه البخاري (1583, 2837) باب: السير إذا دفع من عرفة , وباب: السرعة في السير. ومسلم (3166) باب: الإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ... وأبو داود (1925) . (886) باب ما جاء في الإفاضة من عرفات. والنسائي (3023) . وابن ماجة (3017) . وأحمد (525, 564, 613, 21833) .
(2) - أخرجه مسلم (3166) باب: اسْتِحْبَابِ إِدَامَةِ الْحَاجِّ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ.