أمَّا صاحب البدعة فهو - كما يزعم - مستند إلى الشريعة في بدعته؛ ولذا فهو يُدلل لها بدليل من كتاب أو سنة أو قياس أو قول عالم , بل هو كما يقول الشاطبي [1] ~:"لا يُمكن أن يعتقدها بدعة , بل هي عنده مما يُلحَق بالمشروعات ...".
(( قال مقيده ) ):
(( فالمبتدع يقول: هذه بدعة حسنة ) ) [2] , وهذا الذي ردَّ عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه ..."اقتضاء الصراط المستقيم"حيث قال (( ما معناه ) ): كيف يُقال أنَّ هناك بدعة حسنة , والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: [فإن كلَّ مُحدثَةٍ بدْعةٌ، وكل بدْعَةٍ ضَلاَلَة] [3] , وكل ضلالة في النار [4] .
فهل يستقيم أن يقال مع ذلك: هناك بدعة حسنة؟
لكن نحن نريد فقط أن نقول أن خالدًا العنبري يترك أشياء ويذكر أشياء.
فالفارق الأول إذن: أن المبتدع يستدل , ولا يُمكن أن يقول: هو بدعة. إنما الحاكم بغير ما أنزل الله فَعَلَ ذلك بغير دليل أصلًا.
يقول الدكتور نقلًا عن الشاطبي: وأما غير العالم وهو الواضع لها؛ لأنه لا يمكن أن يعتقدها بدعة، بل هي عنده مما يلحق المشروعات، كقول من جعل يوم الاثنين يصام لأنه يوم مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجعل الثاني عشر من ربيع الأول ملحقًا بأيام الأعياد لأنه - عليه السلام - ولد فيه [5] .
ويقول أيضًا عن أهل البدع في مَعرض بيان سبب اعتداد بعض العلماء بخلافهم في مسائل: إذا سلم اعتدادهم بها فمن جهة أنهم غير متبعين للهوى بإطلاق وإنما المتبع للهوى على الإطلاق من لم يصدق بالشريعة رأسًا. وأما من صدق الشريعة ومن جاء بها، وبلغ فيها مبلغًا يظن به أنه غير متبع إلا مقتضى للدليل يصير إلى حيث أصاره فمثله لا يقال فيه إنه متبع للهوى مطلقًا، بل هو متبع للشرع، ولكن بحيث يزاحمه الهوى في مَطَالِبِه من جهة اتباع المتشابه. فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في نحلته، وشارك أهل الحق في أنه لا يقبل إلا ما عليه دليل على الجملة. وأيضًا فقد ظهر منهم اتحاد القصد على الجملة مع أهل الحق في مطلب واحد وهو اتباع الشريعة [6] . اهـ.
(( قال مقيده ) ):
هذا هو الذي نريد أن نضع أيدينا عليه، وهو أننا نعتدُّ بأهل البدع في بعض مسائل الخلاف؛ لأنهم ليسوا متبعين الهوى بإطلاق؛ بل فيهم مشابهة لأهل الأهواء من حيث أنهم يأخذون بالمتشابه. لكنهم على الجملة مشابهون لأهل الحق في أنهم لا يخرجون عن مقتضى الدليل، يسيرون معه حيث سار. وأيضاُ قد ظهر منهم اتحاد القصد على الجملة مع أهل الحق في مطلب واحد وهو اتباع الشريعة.
يقول الدكتور: فصاحب البدعة ينسب بدعته إلى الشريعة، ويبحث لها عن الأدلة. أما مُحكِّم القوانين فهو مصادم للشريعة ليس له أي دليل على قانونه.
فظهر الفرق بين صاحب البدعة، وبين المخترع لشريعة تخالف شريعة الإسلام؛ ولهذا سمَّى الشاطبي المتَّبع للهوى، سمَّاه الشاطبي: المتبع للهوى بإطلاق، وهو الذي لا يُطبق بالشريعة رأسًا؛ لأنه ليس له دليل ولا تأويل [7] .
ب) والبدع تكبر وتصغر، وتتفاوت، فمنها ما يكفر صاحبها ومنها ما لا يكفر، أما تغيير الشرع فهو كفرٌ كله قليله وكثيره؛ يقول الشاطبي وهو يُلَمِّحُ إلى ما في البدعة من تشريع - وقد ساقه في أثناء اعتراضات وجوابها حول تقسيم البدعة إلى صغيرة وكبيرة والخلاف في ذلك - يقول: أن كل بدعة - وإن قلَّت - تشريع زائد أو ناقص، أو تغير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقًا بما هو مشروع، فيكون قادحًا في المشروع. ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدًا لكفر؛ إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير- قل أو كثر- كفر، فلا فرق بين ما قل منه وما كثر. فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد [8] أو برأي غالط رآه، أو ألحقه بالمشروع إذا
(1) - يقول الدكتور: حرصنا على نقل كلام الشاطبي؛ لأنه من أشهر مَن فصَّل في كون أهل البدع معاندين للشريعة متهمين لها بعدم الكمال - كما سبق -.
وقال الشيخ: ولأن خالدًا العنبري احتج بكلام الشاطبي؛ فنأتي بكلام الشاطبي كله.
(2) - سقط عند (41 ث و 30 ق) ولعله ما أثبتناه / المحقق.
(3) - أخرجه أبو داود (4609) في كتاب السنة , باب: لزوم السنة. وأحمد (17144, 17145) من حديث الْعِرْبَاض بْنَ سَارِيَة.
(4) - قال الألباني في الإرواء (608) :"وهذه الزيادة عند النسائي , وعند البيهقي أيضا في"الأسماء والصفات"وسندها صحيح", من حديث جابر.
(5) - الاعتصام (2/ 63) .
(6) - الموافقات (5/ 222) .
(7) - (( قال مقيده ) ): أيضًا ليس مُكرهًا، ولا أي شيء من الأشياء التي يُعذر بها.
(8) - يعني: ليس عامدًا؛ لأن العامد سيكون كافرًا.