-وبعضهم وضع اختصارًا آخر، وهذا الاختصار حكاه أبو المظفَّر بن السَّمعانيّ عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، قال: الدليل: نصٌ أو معنى نص، وإن شئتَ فقل: نصٌ أو معقول نص. فالنص يندرج تحته: الكتاب والسنة والإجماع، ومعقول النص هو: القياس.
وقال القفَّال الشَّاشي: ويمكنُ أن يقال: الكتاب هو أصل السمع، وأما السنة والإجماع والقياس فهي: بيان الكتاب كما قال الله - عز وجل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] .
ولذلك يقول الإمام الغزالي ~: فنظرُ الأصولي لا يتعدَّى كلامَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فعله؛ لأن القرآن إنما سُمعَ من كلامه، ولأن السنة إنما ثبتت حجيتها بكلامه، وكذلك الإجماع والقياس - على قول من يقول بحجية القياس وهو مذهب جماهير أهل العلم وخالف في ذلك ابن حزم وأهل الظاهر -.
واحتج لذلك بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - حين قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ. قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِى أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لِيَ لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِى كِتَابِ اللَّهِ! فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ. فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، قَالَ اللَّهُ - عز وجل: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ... } [الحشر: 7] [1] .
وأيَّدَ ذلك أيضًا"الزركشي"بما ورد من كلام الإمام الشافعي - رضي الله عنه - حيث قال: فَإِنَّهُ حَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ أَجَبْتُهُ مِنْ الْقُرْآنِ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا.
فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيْنَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ فَذَكَرَ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} ، وَقَوْلُهُ - عليه السلام: اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقَدْ سُئِلَ عُمَرُ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ [2] .
(1) - أخرجه البخاري (4604) في كتاب التفسير، باب: سورة الحشر، وفي كتاب اللباس (5595) باب: المتنمصات. ومسلم (5695) في باب: تَحْرِيمِ فِعْلِ الْوَاصِلَةِ وَالْمُسْتَوْصِلَةِ ... وأبو داود (4171) في الترجل، باب فِى صِلَةِ الشَّعْرِ. وأحمد (4129) .
(2) - البحر المحيط (7/ 329) عند الكلام على قول الصحابي، في كتاب: الأدلة المختلف فيها.