ثانيًا: هؤلاء لم يتولوا الخلافة في مدة واحدة حتى يكون اتفاقهم: اتفاق الخلفاء، فكيف يقع هذا الإجماع.
فالصديق - رضي الله عنه - تولى الخلافة أولًا فقال قولًا، هذا القول ليس بحجة، ثم تولى عمر بعد ذلك فوافق الصديق في قوله، فقول عمر أيضًا ليس بحجة؛ لأن إجماع الخلفاء لم يحدث بعد، ثم تولى عثمان فوافق الصديق، ووافق عمر، وهذا القول أيضًا ليس بحجة، ولستَ ملزمًا باتباعه، والذي يحسمُ المسألة: علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وحين حَسَمَ عليّ بن أبي طالب المسألة، كان الصديق - رضي الله عنه - مات والمسألة خلافية، وعمر مات والمسألة خلافية، وعثمان مات والمسألة خلافية، فكيف ينعقد إجماع بعد اختلاف؟؟؟
إذن: فما معنى الحديث؟
معناه: الزموا أمرهم ولا تخرجوا عن طاعتهم، أو الزموا سيرتهم ومنهجهم من العدل والإنصاف والزهد في الدنيا والتقلل منها والاستمساك بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وقال بعضهم: لا تغيِّروا أقضيتهم التي قَضَوا فيها، لكن المسألة هنا ستكون مُشكَلة؛ هب أن الصديق قضى بقضاء خالفه فيه عمر، ما العمل حينئذ؟
ثالثًا: هذا الحديث معارَض بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث حذيفة: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر [1] . فخرج بذلك عثمان وعليّ مع أن حديث العرباض اعتبرهم.
لكن هذا الحديث أيضًا يرد عليه ما يرد على حديث الخلفاء الراشدين المهديين.
إذن: يتحصل لنا من آية النساء، ومن هذه الأحاديث الثابتة الصحيحة لاسيما حديث الفِرَق الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم:"الجماعة"، و"ما أنا عليه وأصحابي"، ومعلوم أن الإجماع لا يمكن أن يكون موجودًا في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا تنافي بين الاثنين.
أي أن:"ما أنا عليه"أي: التزام الكتاب والسنة، وقد يكون التقدير: " ما أنا عليه، وما سيكون عليه أصحابي من بعدي فيكون حجة بالإجماع أيضًا، لاسيما على رواية"الجماعة"."
فنحن إذن:
(1) - أخرجه الترمذي (3662، 3663) في كتاب المناقب، باب: في مناقب أبي بكر و عمر كليهما، وابن ماجة (97) في فضائل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأحمد (23245، 23276، 23386، 23419) وصححه الألباني في صحيح الترمذي، وابن ماجة.