الصفحة 177 من 703

أما أهل السنة أجازوا الاستثناء في الإيمان بناءًا على أن الإيمان قول وعمل، والمراد بالقول: قول القلب واللسان، وبالعمل: عمل القلب والجوارح، فالإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. وحيث أنه لا يوجد من هو معصوم من الوقوع في المعاصي، كان أحدهم إذا سُئل: هل أنت مؤمن؟ قال: مؤمن إن شاء الله.

وحين جاء رجل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد أرسله إليه عامل يقول له: هذا الرجل يقول: أنا مؤمن. فقال له عمر - رضي الله عنه: قل: أنت كجبريل أو ميكائيل! فقال: لا. فقال عمر - رضي الله عنه: فلم قلتَ: أنا مؤمن؟ قال: مؤمنٌ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل الإيمان: أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ... ، أي التصديق بكل هذا، فتركه عمر - رضي الله عنه -؛ لأنه فهم مقصود هذا الرجل.

إذن: نحن لا يلزمنا قول الحنفية في هذا الباب أصلًا؛ لأن الإيمان عندهم هو الإسلام الذي هو مجرد الإقرار، والإقرار هو التصديق بالقلب وباللسان؛ وبناءًا على ذلك لا يكفر عندهم إلا الجاحد، وهذا لا يلزمنا.

يقول الشيخ الألباني تعليقًا على كلام الطحاوي:

قلت: وهذا فقه جيد وكلام متين لا مرد له وهو يلتقي تمامًا مع ما تقدم من كلام الإمام أحمد -رحمه الله - الدال على أنه لا يكفر لمجرد الترك، بل بامتناعه من الصلاة بعد دعائه إليها.

قال مقيده:

بعد أن تعرف أن هذا أصل الحنفية، والرد على ما استدل به الإمام الطحاوي، يتبيَّن لك أن هذا الكلام ليس جيدًا ولا متينًا ولا يتفق مع كلام الإمام أحمد في المعنى الذي ذكره الشيخ الألباني؛ لأنه قد تبيَّن لنا أن معنى كلام الإمام أحمد ليس المعنى الذي ذكره الشيخ الألباني - رحمه الله -.

قال الشيخ الألباني:

وممن اختار هذا المذهب أبو عبد الله بن بطة كما ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة المقدسي في كتابه الشرح الكبير على المقنع للإمام موفق الدين المقدسي (1/ 385) وزاد أنه أنكر قول من قال بكفره قال أبو الفرج: وهو قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي.

قال مقيده:

نعم، ابن بطة بالفعل قد استنكر هذا القول، ونحن لا نخالف في هذا وما ادَّعينا إجماعًا، لا عند العلماء ولا عند الحنابلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت