الصفحة 157 من 703

فيه تحقيقًا رائعًا ما هو مُسَلَّم به عند العلماء أنه ليس كل كفر يقع فيه المسلم يخرج به من الملة فمن المفيد أن أقدم إلى القارئ فقرات أو خلاصات من كلامه تدل على مراده ثم أعقِّب عليه بما يلزم مما يلتقي مع هذا الحديث الصحيح و يؤيد المذهب الرجيح.

لقد أفاد - رحمه الله -أن الكفر نوعان: كفر عمل , و كفر جحود و اعتقاد. وأن كفر العمل ينقسم إلى ما يضاد الإيمان و إلى ما لا يضاده؛ فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان. وأما الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي قطعًا.

قلت: هذا الإطلاق فيه نظر إذ قد يكون ذلك من الكفر الاعتقادي أحيانًا وذلك إذا اقترن معه ما يدل على فساد عقيدته كاستهزائه بالصلاة والمصلين وكإيثاره القتل على أن يصلي إذا دعاه الحاكم إليها كما سيأتي فتذكر هذا فإنه مهم.

قال مقيده:

أولًا: ابن القيم هنا لم يذكر أن ترك الصلاة كفر دون كفر وإنما ذكر ما لا خلاف فيه وهو أن ترك الصلاة من الكفر العملي قطعًا.

ثانيًا: ما أعرفه أن أهل السنة حينما ناقشوا الجهمية [1] قالوا لهم: أنتم تقولون أن الإيمان هو التصديق (الاعتقاد) وإن كذَّب بلسانه. فما تقولون في رجل اعتقد الإسلام ثم سبَّ الله - عز وجل - وقد أجمع المسلمون على أن سابَّ الله كافر؟ إن قلتم: كافر فقد خالفتم أصلكم ومذهبكم؛ لأن الرجل مصدِّق ومع ذلك لمَّا خالف بلسانه كفرتموه. وإن قلتم: ليس كافرًا فقد خالفتم الإجماع.

فقال الجهمية حتى يهربوا من السؤال: هذا الرجل حين سب الله أو مزَّق المصحف، كان هذا دليل على أنه معتقد للكفر، يعني: كذب بالإيمان وصدق بالكفر.

وفي الحقيقة هذا الكلام ليس له سبيل من الناحية العملية، فمثلًا: أنت تعرف أنني محمد عبد المقصود، من الممكن أن تكذب بلسانك وتقول: لا، بل أنت فوزي السعيد. لكن يستحيل أن تغير هذه الحقيقة من قلبك بل لا سبيل لك أصلًا على ذلك. وهذا معنى قول الله - عز وجل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] .

(1) - هذه الجزئية هي التي فرح ابن القوصي بأنه فهمها، ويقول للناس: لعلهم لم يفهموها! وهو أن الجهمية يكفرون ساب الله. واتهمنا بأننا جهمية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت