ذهب الأئمة الأربعة إلي أنها نجسة.
وذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي، والليث بن سعد والمُزَني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين كما حكي عنهم القرطبي إلي أنه ليست نجسة.
قال القرطبي: فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها.
وقد استدل سعيد بن الحداد القروي - من المتأخرين - على طهارتها بسفكها في طرق المدينة، قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها كما نهى عن التخلي في الطرق.
والجواب: أن الصحابة فعلت ذلك؛ لأنه لم يكن لهم سروب [1] ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم. وقالت عائشة إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور. وأيضا فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرا. يعم الطريق كله، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها - هذا - مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة، ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك. والله أعلم. أهـ من الجامع لأحكام القرآن
قال مقيده: هذه الحجة في الحقيقة حجة ضعيفة لكن مدار المسألة علي قوله رجس، وأول شئ مستغرب في هذا الموضع: أن ربيعة والليث والمزني ذهبوا إلي نجاسة الخنزير، والإعتماد في نجاسة الخنزير علي قوله تعالي: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ. فالثلاثة الذين حكموا بنجاسة الخمر حكموا بنجاسة الخنزير. والإمام مالك الذي حكم بطهارة الخنزير، حكم بنجاسة الخمر، مع أن اللفظة واحدة.
(1) 1 - السرب: حفيرة تحت الارض.