174 -الأمر بقتال الطائفة الباغية مشروط بالقدرة والإمكان. إذ ليس قتالهم بأولى من قتال المشركين والكفار ومعلوم أن ذلك مشروط بالقدرة والإمكان فقد تكون المصلحة المشروعة أحيانا هي التآلف بالمال والمسالمة والمعاهدة كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة والإمام إذا اعتقد وجود القدرة ولم تكن حاصلة كان الترك في نفس الأمر أصلح.
ومن رأى أن هذا القتال مفسدته أكثر من مصلحته: علم أنه قتال فتنة فلا تجب طاعة الإمام فيه إذ طاعته إنما تجب في ما لم يعلم المأمور أنه معصية بالنص، فمن علم أن هذا هو قتال الفتنة - الذي تركه خير من فعله - لم يجب عليه أن يعدل عن نص معين خاص إلى نص عام مطلق في طاعة أولي الأمر ولا سيما وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالرد إلى الله والرسول.
175 -والنبي صلى الله عليه وسلم ميز أهل الشام بالقيام بأمر الله دائما إلى آخر الدهر وبأن الطائفة المنصورة فيهم إلى آخر الدهر فهو إخبار عن أمر دائم مستمر فيهم مع الكثرة والقوة وهذا الوصف ليس لغير الشام من أرض الإسلام؛ فإن الحجاز - التي هي أصل الإيمان نقص في آخر الزمان: منها العلم والإيمان والنصر والجهاد وكذلك اليمن والعراق والمشرق. وأما الشام فلم يزل فيها العلم والإيمان ومن يقاتل عليه منصورا مؤيدا في كل وقت فهذا هذا والله أعلم.
176 -وهذا تجده في الأصل من رأي بعض فقهاء أهل الكوفة وأتباعهم ثم الشافعي وأصحابه ثم كثير من أصحاب أحمد الذين صنفوا"باب قتال أهل البغي"نسجوا على منوال أولئك تجدهم هكذا فإن الخرقي نسج على منوال المزني والمزني نسج على منوال مختصر محمد بن الحسن وإن كان ذلك في بعض التبويب والترتيب. والمصنفون في الأحكام: يذكرون قتال البغاة والخوارج جميعا وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في"قتال البغاة"حديث إلا حديث كوثر بن حكيم عن نافع وهو موضوع.
177 -وهذا هو الأصل الثابت بكتاب الله وسنة رسوله وهو الفرق بين القتال لمن خرج عن الشريعة والسنة فهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. وأما القتال لمن لم يخرج إلا عن طاعة إمام معين فليس في النصوص أمر بذلك.
178 -ولهذا كان أعدل الطوائف"أهل السنة"أصحاب الحديث. وتجد هؤلاء [المخالفين لأهل السنة] إذا أمروا بقتال من مرق من الإسلام أو ارتد عن بعض شرائعه يأمرون أن يسار فيه بسيرة علي في قتال طلحة والزبير؛ لا يسبى لهم ذرية ولا يغنم لهم مال ولا يجهز لهم على جريح ولا يقتل لهم أسير ويتركون ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وسار به علي في قتال الخوارج وما أمر الله به رسوله وسار