الصفحة 16 من 56

ونقل الإمام أبو جعفر الطبريُّ الإجماعَ على هذه المسألة فقال: (( وأجمعوا أنَّ جناياتِ أهل الحرب بعضهم على بعض في دار الحرب، وغَصْبَ بعضهم بعضًا فيها قبل الإسلام موضوعةٌ، وأنْ ليس لحاكم المسلمين أن ينظر في ذلك إذا أسلموا أو دخلوا دار الإسلام بأمان؛ وكذلك حكم جناياتهم على المسلمين في الحروب وفي دار الإسلام وغصوبهم لهم إذا أسلموا أو دخلوا دار الإسلام ) ) ( [36] ) .

(الحال الثانية) : أن تكون تلك المعاملات المالية في دار الإسلام؛ فإن المستأمن إذا دخل دار الإسلام فإنه يخضع فيها للقضاء ويحكم عليه القاضي المسلم إذا ترافع إليه في ذلك. ولذلك قال الإمام محمد بن الحسن: وإن أدان بعضهم بعضًا في دار الإسلام، أو أدان لهم رجل من المسلمين، أو من أهل الذمة، أو أدانوه، فإنهم يؤخذون بذلك كله فيحكم لهم وعليهم، لأنهم كانوا تحت يد الإمام وولايته حين جرت هذه المعاملات بينهم، وما أمّنَّاهم ليظلم بعضهم بعضًا، بل التزمنا لهم أن نمنع الظلم عنهم، فلهذا تسمع الخصومة التي جرت بينهم في دار الإسلام كما لو جرت بين المسلمين ( [37] ) .

وقال أيضًا ـ وهو قول الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف ـ: لو أن ناسًا من أهل الحرب خرجوا إلينا بأمان فأدان بعضهم بعضًا ثمَّ اختصموا في ذلك إلى قاضٍ من قضاة المسلمين قضى لبعضهم على بعض بذلك وحبس بعضهم لبعض فيما يلزمهم من الدَّين. وكذلك لو اغتصب بعضهم بعضًا واستُهْلك الغصب أو كان قائمًا ثمَّ خاصم المغصوب الغاصب في ذلك إلى قاضٍ من قضاة المسلمين قضى عليه بالغصب المستهلك والقائم وحبسه له به ( [38] ) .

(الحال الثالثة) : أن تكون القضايا الجنائية مما وقع في دار الإسلام؛ فإن المستأمن يخضع فيها لأحكام القضاء الإسلامي ويستوفى منه ما كان متعلقًا بحقوق العباد، ويدرأ عنه الحدُّ إذا كان من حقوق الله تعالى ( [39] ) . ولا يعني هذا أن يفلت من العقوبة، بل إنه يوجع عقوبةً إن درئ عنه الحد أو سقط عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت