عرفوه في ضيافة أبى طلحة لضيوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد بات هو وأطفاله جياعًا، وفى قصة الجرحى الذى آثروا إخوانهم على أنفسهم في الماء فماتوا عطاشًا، وإذا عرفوا حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرفوه في قصة خبيب - رضي الله عنه - لما رفعوه على الخشبة نادوه يناشدونه أتحب أن محمدًا مكانك؟ قال ... لا والله العظيم ما أحب أن يفدينى بشوكة يشاكها في قدمه فضحكوا منه [1] فعرفوا من معانى الإيثار والحب مالا يعرفه أكبر لغوى وأديب وعالم علوم النفس.
عرفوا أحكام الاجتماع في الاجتماع وأحكام الاختلاط في الاختلاط وأحكام التجارة في التجارة وأحكام المعاشرة في المعاشرة، فقدروا أن يحافظوا على دينهم ونياتهم وخشوعهم وذكرهم في المجامع والمجالس وفى صخب الأسواق وفتنة البيوت وفى مجامع الشياطين ومقاعدهم، فإذا خاضوا في لجة الحياة واندفع بهم التيار لم يغلبوا على أمرهم، شأن الذى يتعلم السباحة في بحر متلاطم ونهر فياض فكانوا في المسجد إذا خرجوا من المسجد، وفى الصلاة إذا انصرفوا من الصلاة، بررة القلوب، صادقى الوعد، سديدى القول في المساجد والأسواق معًا، وفى المعتكف والحانوت معًا، وفى الحضر والسفر معًا، ومع الصديق والعدو معًا.
(1) حياة الصحابة - 1/ 510.