وقالوا أيضًا:"إن المقلد المتعلم هو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من تقرير أدلته على ما عرف من إمامه أو عن أصحابه، العارف بمطلق الآراء في المذهب ومقيدها وعامها وخاصّها، وغامضها وواضحها لكنه لم يبلغ درجة التخريج أو الترجيح هذا يجوز أن يدلي القضاء للضرورة" (1) .
أما المقلد الجاهل بالأحكام الشرعية ولا يميز بين الغث والسمين ولا بين القوي والضعيف فلا يصح توليته القضاء، جاء في نهاية المحتاج:"لا يولى جاهل بالأحكام الشرعية ولا مقلد، وهو من حفظ مذهب إمامه لكنه غير عارف بغوامضه وقاصر عن تقرير أدلته، لأنه لا يصلح للفتوى فالقضاء أولى" (2) .
والأمر مادام خاضعًا للضرورة فينبغي أن يولى الأمثل فالأمثل حسب الأمكان بقدر ما يتوفر فيه من تلك الشروط، قال ابن تيمية رحمه الله:"إن هذه الشروط تعتبر حسب الإمكان ويجب تولية الأمثل فالأمثل، فيولى للعدم انفع الفاسقين وأقلهما شرًا وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد" (3) .
إلزام القضاء بمذهب معين وعدم القضاء بغيره:
هذا الموضوع هو أصل مسألة التقنين، لأن حقيقة التقنين هو إلزام القاضي بالقضاء بأحكام معينة، ليس له تجاوزها وإن خالفها في اجتهاده إذا كان مجتهدًا اجتهاده.
وللفقهاء خلاف في حكم إلزام القاضي بمذهب معين وعدم القضاء بغيره، ولهم اتجاهان في ذلك:
(1) مجلة البحوث الإسلامية، تدوين الراجح من أحكام الفقهاء، العدد (31) ص 44 .
(2) الرملي، شمس الدين محمد بن أبي العباس: 8/238 .
(3) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية: 23 وما بعدها .