الحق إنّّ المتتبع لأراء العلماء المتقدمين منهم، والمتأخرين يجد بأنَّهم قد اختلفوا حول هذه المسألة إلى مذهبين:
مذهب يرى بأنه لا يجوز تقنين الأحكام الشرعية على اعتبار أن وليَّ الأمر لا يحق له إلزام الرعية برأي أو مذهب واحد.
…ومذهب آخر يرى بأنه لا مانع شرعًا، من أن يقوم وليَّ الأمر بإلزام الناس برأي واحد، وفي ما يلي بيان لحجج كل رأي على حده، مع محاولة التوفيق بينهما.
أ-المذهب الأول: يرى أصحابه وهم من المتقدمين أنه ليس لولي الأمر أن يلزم الناس مذهب واحد للأسباب التالية:
-لا يعلم من هدْي الصحابة -رضي اللّه عنهم- مع مشاركتهم في العلم، والمشاورة مع بعضهم البعض إلزام واحد منهم للآخر بقوله، بل المعهود بالنقل خلافه (1) ، وهو ما أكدّه الإمام"الشافعي"بقوله:"أجمع الناس على أنّ من استبانت له سنة رسول اللّه «ص» لم يَدَعَها لقول أحد" (2) .
-التقنين مدخل لتغيير الشريعة بزيادة أو نقص، أو تبديل أو تعديل، وهو بذلك طريق إلى الحكم بغير ما أنزل اللّه (3) قال"ابن تيمية"معضدًا هذا السبب:"وولي الأمر إن عرَف ما جاء به الكتاب والسنة حكم بين الناس به، وإن لم يعرفه، وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا، وما يقول هذا حتى يعرف الحق حكم به، وإن لم يمكنه لا هذا، ولا هذا، ترك المسلمين على ما هُمْ عليه، كل يعبد الله على حسب اجتهاده، وليس له أن يُلزم أحدًا بقبول قول غيره وإن كان حاكما ...» (4) ."
(1) ابن عبر البر: جامع بيان العلم 2/59، ابن تيمية: مجموع الفتاوى 35/384، ابن قيم: إعلام الموقعين 2/189، بكر بن عبد الله: التقنين والإلزام 60.
(2) ابن قيم: إعلام الموقعين 2/282.
(3) عبد الرحمن بن سعد الشتري: تقنين الشريعة بين التحليل والتحريم 21
(4) مجموع الفتاوى: 35/387-388.