فعلى هذا فالقاضي إذا كان من القسم الثاني ففرضه المشورة والتقليد ، فإذا اختلف عليه العلماء قضى بقول أعلمهم ، وقيل: بقول أكثرهم ، وهذا الأخير جاء عن الفقهاء السبعة ، والأول أصح ، وقيل: يحكم بقول من شاء منهم إذا تحرى الصواب بذلك ولم يقصد الهوى . وأما المشورة: فله أن يكتفي بمشورة واحد من العلماء ، فإن فعل ذلك فالاختيار أن يشاور أعلمهم ، فإن شاور مَنْ دونه في العلم وأخذ بقوله فذلك جائز ، إذا كان هذا من أهل النظر والاجتهاد .
ولقد أكد القاضي أبو بكر ضرورة التزام المقلد فتوى مقلَّده فقط دون التوسع في ذلك فقال: « إن المقلد يقضي بفتوى مقلَّده في عين النازلة ، فإن قاس على قوله فهو
متعدّ » (1) .
ولقد رسم الكاساني منهج القاضي المقلّد بقوله: « فأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد فإن عرف أقاويل أصحابنا وحفظها على الاختلاف والاتفاق عمل بقول من يعتقد قوله حقًا على التقليد ، وإن لم يحفظ أقاويلهم عمل بفتوى أهل الفقه في بلده من أصحابنا ، وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد من أصحابنا: من قال يسعه أن يأخذ ، ونرجو ألا يكون عليه شيء ؛ لأنه إذا لم يكن من أهل الاجتهاد بنفسه وليس هناك سواه من أهل الفقه مسّت الضرورة إلى الأخذ بقوله ، قال الله تبارك وتعالى: ? فَا؟سْـ:ـَلُو%ا أَهْلَ ا؟لذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ = 7 ?
[ الأنبياء: 7 ] ولو قضى بمذهب خصمه وهو يعلم ذلك لا ينفذ قضاؤه ؛ لأنه قضى بما هو باطل عنده في اعتقاده فلا ينفذ » (2) .
فقد نقلنا عبارته بطولها لنبين ضوابط قضاء المقلد ، الذي لا يحسن الاجتهاد ، ومنهجه في إصدار الأحكام .
المطلب الثالث
تطبيقات الاختصاص المذهبي المعاصر في قضاء بعض الدول العربية
إن قوانين البلاد العربية - عمومًا - نوعان:
(1) ر: تبصرة الحكام ( 1/45 ) .
(2) بدائع الصنائع ( 7/5 ) .