واستدل بعض المالكية على جواز ذلك بأن الولاة بقرطبة كانوا إذا ولوا رجلًا القضاء شرطوا عليه في سجله أن لا يخرج عن قول ابن القاسم (1) ما وجده ، وأن سحنون ولى رجلًا القضاء ، وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق ، فشرط عليه سحنون أن لا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدى ذلك (2) .
ومن استعراض القولين وأدلتهما تبدو لي رجاحة القول الثاني ، وهو جواز تقييد القاضي بمذهب معين ، وأن هذا الشرط من السلطان صحيح ، فللسلطان أن يلزم الرعية بما يراه مصلحة لها من أقوال المذاهب ويلزم بها (3) ، وكما قالوا: رأي الإمام يحسم الخلاف، وهذا عين ما فعلته الخلافة العثمانية من إلزام القضاة بمذهب الإمام أبي حنيفة ، ووضعت قانونًا فقهيًا قائمًا عليه ، وهو مجلة الأحكام العدلية .
ثانيًا: منهج القاضي المقلد في القضاء:
التقليد: هو قبول قول الغير بلا حجة (4) . وعلى هذا فالقاضي المقلد هو الذي يقضي استنادًا لأقوال إمامه ، دون معرفة دليله ، وهو الذي لا يتجاوز حدود مذهبه .
ولقد ذكر المالكية أن المقلد قسمان: محيط بأصول مذهب مقلّده وقواعده ، بحيث تكون نسبته إلى مذهبه كنسبة المجتهد المطلق إلى أصول الشريعة وقواعدها ، فهذا يجوز له التخريج والقياس بشرائطه ، كما جاز للمجتهد المطلق . والقسم الثاني: غير المحيط ، فلا يجوز له التخريج ، لأنه كالعامي بالنسبة إلى حَمَلة الشريعة (5) .
(1) راوي المدونة عن مالك إلى سحنون .
(2) ر: تبصرة الحكام ( 1/45 - 46 ) .
(3) ر: المغني ( 7/450 ) .
(4) ر: المستصفى ( 2/387 ) .
(5) ر: مواهب الجليل ( 8/72 ) .