فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 28

واستدل بعض المالكية على جواز ذلك بأن الولاة بقرطبة كانوا إذا ولوا رجلًا القضاء شرطوا عليه في سجله أن لا يخرج عن قول ابن القاسم (1) ما وجده ، وأن سحنون ولى رجلًا القضاء ، وكان الرجل ممن سمع بعض كلام أهل العراق ، فشرط عليه سحنون أن لا يقضي إلا بقول أهل المدينة ولا يتعدى ذلك (2) .

ومن استعراض القولين وأدلتهما تبدو لي رجاحة القول الثاني ، وهو جواز تقييد القاضي بمذهب معين ، وأن هذا الشرط من السلطان صحيح ، فللسلطان أن يلزم الرعية بما يراه مصلحة لها من أقوال المذاهب ويلزم بها (3) ، وكما قالوا: رأي الإمام يحسم الخلاف، وهذا عين ما فعلته الخلافة العثمانية من إلزام القضاة بمذهب الإمام أبي حنيفة ، ووضعت قانونًا فقهيًا قائمًا عليه ، وهو مجلة الأحكام العدلية .

ثانيًا: منهج القاضي المقلد في القضاء:

التقليد: هو قبول قول الغير بلا حجة (4) . وعلى هذا فالقاضي المقلد هو الذي يقضي استنادًا لأقوال إمامه ، دون معرفة دليله ، وهو الذي لا يتجاوز حدود مذهبه .

ولقد ذكر المالكية أن المقلد قسمان: محيط بأصول مذهب مقلّده وقواعده ، بحيث تكون نسبته إلى مذهبه كنسبة المجتهد المطلق إلى أصول الشريعة وقواعدها ، فهذا يجوز له التخريج والقياس بشرائطه ، كما جاز للمجتهد المطلق . والقسم الثاني: غير المحيط ، فلا يجوز له التخريج ، لأنه كالعامي بالنسبة إلى حَمَلة الشريعة (5) .

(1) راوي المدونة عن مالك إلى سحنون .

(2) ر: تبصرة الحكام ( 1/45 - 46 ) .

(3) ر: المغني ( 7/450 ) .

(4) ر: المستصفى ( 2/387 ) .

(5) ر: مواهب الجليل ( 8/72 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت