الصفحة 6 من 38

قال ابن القيم: (( وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء ، وجعله من أعظم المحرمات بل جعله في المرتبة العليا منها ، وبعد أن ساق الآية التي أوردناها قال: فرتب المحرمات أربع مراتب:

وبدأ بأسهلها وهو الفواحش ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم ، ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منها وهو الشرك به سبحانه ، ثم ربع ما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم ، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه .

ومما يدل أيضا على أنه من كبائر الإثم قول الله تعالى: { وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ .مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النحل: 116، 117] .

فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه ، وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام ، ولما لم يحله: هذا حلال ، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله سبحانه وتعالى أحله وحرمه (1) .

هذا ما يتعلق بكونه من كبائر الإثم .

وأما كونه إغواء وإضلالا للناس فلما روى الشيخان من حديث عبد الله بنعمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا ، فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا ) ) (2) .

لهذا هاب الفتيا كثير من الصحابة وتدافعوها بينهم لما جعل الله في قلوبهم من الخوف والرقابة .

(1) إعلام الموقعين: 1/38.

(2) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه ، كما في الجامع الصغير للسيوطي ، حديث رقم 1826.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت