والخطير في الأمر أن يعتبر الشذوذ في هذه الأيام اجتهادا ، والجرأة على الإفتاء في دين الله تعالى تجديدا ، ثم يعرض ذلك بعبارات معسولة حتى تقبله العقول ، وتستسيغه النفوس ، مع الغفلة عن قول الله تعالى { وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ .مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النحل: 116، 117]
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما أثمه على من أفتاه ) ) (1) .
المبحث الثاني
مسئولية الفتوى الشرعية
إن مهمة الفتوى خطيرة ، وإن مسئولية المؤسسات الإسلامية تجاهها جد كبيرة ، لما لهذه المؤسسات من دور مؤثر في توجيه الجاليات المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية فلا يجوز لها أن ترد الناس إلى المتساهل في فتواه ، أو المبالغ في دعواه ، فهذا يدفع الناس إلى الجرأة على الدين ورد أقوال العلماء العاملين .
كما لا يجوز لها تبني الفتاوى الخاطئة ، والآراء الشاذة وإذاعتها بين الناس بدعوى:
التيسير تارة .
وفهم الواقع تارة أخرى
والضرورة تارة ثالثة .
والحاجة التي تنزل منزلة الضرورة تارة رابعة .
فهذا منزع خطير يؤدي بالناس إلى الحيدة عن الالتزام بأحكام الشرع ، والميل لما تهواه النفس ويستسيغه الطبع .
إن اليسر الذي جاءت به الشريعة غير ما يدعو بعض الناس إليه ، وإن فهم الواقع لا يعني تطويع الأحكام الشرعية لما درج بعضهم عليه ، والقول بالضرورة لا يلجأ إليه إلا إذا تحققت شروطها والاعتماد على الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة لا يصح ما لم تستجمع ضوابطها .
(1) أخرجه ابن ماجه ، والحاكم بإسناد حسن ، كما في صحيح الجامع الصغير وزيادته حديث رقم 6969.