تبين وللأسف ، أن الجماعات والتنظيمات الجهادية المسلحة التي رفضت ذلك الواقع ودعت إلى جهاد الأمريكان وحلفائهم ، كانت بحكم واقعها الحركي وضعفها وتشردها عن بلادها .. أعجز من أن تقدم حلا لهذه الطامة الماحقة التي نزلت في بلاد المسلمين. واقتصرت مواجهاتها للأمريكان على بيانات محدودة الانتشار في بلاد المهجر، بعيدا عن الأمة. فقد كان موقف قياداتها ورموزها واضحا، ويمثل الحق .. ولكنه كان موقفا عاجزا مقهورا. بعيدا كل البعد عن دائرة الفعل والتأثير، أو الأهلية لقيادة المواجهة.
تبين أخيرًا ونتيجة لهذه الأحوال ، أن الأمة الإسلامية وشعوبها قاطبة ونتيجة لفساد مقومي الصلاح في الأمة (العلماء ، والأمراء) مغيبة عن الحدث. تماما كما روي في الأثر:
(صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء) . وأن الأمة وقد كفر معظم ملوكها ورؤسائها وأمرائها ، ونافق أكثر علمائها .. مدعوة لدخول تيه عظيم أكبر من الذي هي فيه. ولأن حكامها المرتدين صاروا في حلف العدو. ولأن أغلب علمائها وقادة حركاتها الإسلامية قد توزعوا ، إما في متاهات النفاق أو في جحور العجز .. وأن العدو يقف في موقع ما وصفه الشاعر بقوله:
لا يلام الذئب في عدوانه ... إن يك الراعي عدو الغنمِ
فقد تبين أن شعوب المسلمين مغيبون تماما عن واقع ما يدور بهم ، وما يخطط لأمتهم ، وأن عامتهم غارقون إلى آذانهم في سعيهم لدنياهم ، وتمرغهم في مراغة ملذاتها. وأن العدو عازم على استكمال سلب ما تبقى لديهم من دينهم وفتات دنياهم. وعمومهم في غفلتهم معرضون. وأن الواعين منهم لما يدور ، يعضون أصابع الغيظ والقهر والحزن على ما يحل بالأمة ، ويشكون إلى الله أنهم من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
وسط تلك الزلازل .. وتتابع الأخبار والتحليلات على ما جرى ويجري ، وما يتوقع له من نتائج في غضون السنين القادمة .. بدأت تتولد عندي بدايات هذه الأفكار.